الخميس، 10 مارس 2016

عذاب القبر ونعيمه



"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"




في خطبة الجمعه حكي لنا الخطيب حكاية مؤثرة جداً.

"ذلك أن أماً بعـد أن دفـنـت إبـنـتـها ورجـعت إلى البيت إكتشفت أن كيـس نـقودها قـد وقع منها في مكان الدفن. فذهب إبنها ليـبـحـث عـنه هناك فرجع إلى أمه يـسألها: ماذا كانت تفعل أختي حتى أني لما وضعت يدي في الرمل أبحث عن الكيس وجدت الرمل حاراً جداً كأن هناك ناراً تشتعل تحته مكان قبر أختي. فـقـالت له أمه إن أخـتك لم تكن تصلي."

بعد هذه الجمعة إمتنعنا أنا وإبني عن الصلاة في هذا المسجد. وأخشى أن يكون إبني قد إمتنع عن صلاة الجمعة أو عن الصلاة عموماً بسبب مثل هذا الخطيب الذي ساق لنا حكاية مرسلة بدون أي سند أو دليل أو منطق بديهي واستشهد بها علينا أن من يترك الصلاة سوف يلقى نفس المصير.

انا لا أخاف من الموت أو من القبر وعذابه أو حتى أحلم بنعيمه.

وقبل أن يظن بي أحدٌ سوءاً أو يتهمني "بإنكار ماهو معلوم من الدين بالضرورة" ثم يكفرني ويستحل كل الناس دمي فيقتلني من يستطيع إلى ذلك سبيلاً تقربا إلى الله أو على أقل تقدير أسجن بتهمة "إزدراء الدين الإسلامي" أريد أن اشرح لماذا. 

أنا عندما أموت لن أكون أنا.

فهذا الجسد لن يتمتع بأي مزايا حسية لأنه فانٍ بطبعه وهذا العقل الذي يترجم الأحاسيس ويحدد ردود الأفعال المناسبة تجاهها من بهجة أو خوف سوف يفنى قطعاً هو أيضاً بفناء الجسد لأنه جزء منه. فماذا يبقي منا إذن ؟ لا شك أنها  الروح التي ستبقى.

ولقد قال الله تعالى "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

إذن ما سيبقى منا هي الروح التي لا نعلم من أمرها شيئا. ونحن لا نعلم ماذا تحب الأرواح أو ماذا تكره. ولا نعلم إذا كانت الروح ستضيق بضيق القبر وظلمته أو لا ولكننا نقيس بما نحسه نحن الآن من أننا نضيق إذا وضعنا في مكان ضيق مظلم.

فإذاً أنا لن أكون أنا ولا أعرف ما سأكون عليه فكيف أحكم أنني سأخاف أو أضيق أو أنني سأنعم أو أتلذذ. أنا هنا أكتفي بأن أحيل الأمر كله إلى الله عز وجل فيما أخبرنا به في قرآنه.



وأنا أفكر دائما في أختي التي رحلت منذ سنين عديدة وكانت تخاف جداً حتى من أشياء بسيطة لا يخاف منها أحد وأتسائل كيف احتملت ظلمة القبر ووحشته كما يقولون عنه. هل هربت من شدة خوفها ورجعت إلينا. لم يحدث ذلك منها أو من أي أحد آخر. 

فنحن  بعد الموت نتكلم عن طبيعة أخرى مغايرة تماماً لما نحن عليه الآن ولا ندري عنها شيئا ولن يفيدنا كثيراً أن نتعلل بالخوف أو بالنعيم الذي لا نعلم كيف سيكون موقفنا حياله ونحن في هذه الهيئة المجهولة بعد الموت كي نعمل عملاً صالحاً أو نقلع عن آخر سيئاً ونحن على هيئتنا الحالية قبل الموت.

وكفانا ما أثير في بعض الشباب من غرائز جنسية تتمثل في تشويقهم للحور العين حتى يقتلوا أنفسهم طمعاً في الشهادة ليحظوا بالأعداد الكبيرة منهم واللاتي تنتظرهن في الجنة. ولا زلت أذكر هذا الرسم الكاريكاتوري في أحد الصحف الغربية والذي يمثل خازن الجنة يقف عند بابها ويخاطب انتحارياً مازال دخان التفجير يتصاعد منه وقد صعد لتوه  ليدخل الجنة ويستمتع بالحور العين ولكنه يصاب بالإحباط عندما يخبره خازن الجنة  بأنه لم يبق منهن فائض له. هكذا فطن الغرب إلى أن المسلمين الإنتحاريين يقاتلون من أجل إرضاء غريزتهم واتخذوا دينهم غطاءاً شرعياً لذلك. 

وقد أثارني جداً هذا المقطع المصور الذي وصلنا اليوم وفيه يجلس شخصٌ ما أمام قبر مفتوح ويدعونا إلى حبه وعدم الخوف منه. وكم تمنيت أن أدعوه لينزل بنفسه في القبر ويُغلق عليه ولو حتى ليومٍ واحدٍ ثم يخرج بعد ذلك ليقسم لنا أنه أحبه ولم يخف منه وذلك مع الأخذ في الإعتبار علمه المُسبق بأنه سيُفتح عليه ليخرج منه.

وإذا تأملنا قليلاً نلاحظ أن الشيطان بكل مانتصوره عنه من قبحٍ وسوء منظر  وكل ما يقع في أنفسنا من تخيلاتٍ لصورته وصفاته الكريهة التي  صورها لنا من لم يشاهدوه لم يكن مذموماً عند الله الذي خلقه على هذه الصورة والذي هو جميل يحب الجمال حتى أمره بالسجود فعصى. وينسحب هذا المنطق أيضاً على الملائكة التي نعتقد كلنا في جمالها. فحتى مقاييس القبح والجمال لا نعلم عنها شيئا في العوالم الأخرى. 


ولا أستطيع أن أنكر عذاب القبر ونعيمه أو أثبته فذلك مما اختلف فيه الكثيرون وأنكره كثير من المفكرين مثل د. مصطفى محمود والأستاذ جمال البنا وغيرهما. كما أنكره الشيخ الشعراوي إذ يقول "لا عذاب قبل الحساب والحساب في الآخرة" وهذا هو رابط حديث الشيخ كاملاً https://www.youtube.com/watch?v=dMOZQ5LwKA0

ولكي أخرج أنا من هذا المأزق العميق فإنني أدعو الله " اللهم أجرني من عذاب القبر إن كان حقاً وأستعيذ بك أن أُضل أو أَضل إن لم يكن حقاً ".






كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق