عندما نذكر المثلثات يتجه تفكير الكثير منا وخاصة دارسي العلوم الرياضية والهندسية إلى علم حساب المثلثات الذي يحبه الكثير منا إما لبساطة منطقه أو لأنه علم ابتكرناه نحن لأن قدماء المصريين هم أول من عمل بقواعده إذ استخدموها إستخداماً عملياً مبهراً في بناء الأهرامات وكذلك في بناء معابدهم.
ويتجه تفكير البعض الآخر إلى مثلثات أخرى من أنواع مختلفة.
فالمتدينون سيذكرون على الفور مثلث أوعقيدة الثالوث في المسيحية والتي تذكر أن الله هو إله واحد لكن في ثلاثة أشخاص أو أقانيم مختلفة هي الآب والإبن (يسوع) والروح القدس. أي أن "الله واحد في ثلاثة أقانيم إلهية".
أما الذين يميلون إلى الغموض والأسرار سيذكرون على الفور "مثلث برمودا" والمعروف بإسمه الاخر وهو مثلث الشيطان. وهو منطقة جغرافية على شكل مثلث متساوي الاضلاع رؤوس هذه الاضلاع تقع بين جزر برمودا وفلوريدا وبورتيريكو. وهي منطقة يلفها الكثير من الغموض وبنيت عليها الكثير من الأساطير وحوادث الإختفاء الغامضة لطائرات وسفن ضخمة.
أما محبي تاريخ مصرالفرعوني فسيذكرون "ثالوث أبيدوس" الذي يتكون من "أوزوريس" و"إيزيس" وابنهم "حورس" والأسطورة الفرعونية الشهيرة بكل تفاصيلها المثيرة.
وكذلك "ثالوث منف" الذي يتألف من "بتاح" و " سخمت" و "نفرتم" و"ثالوث طيبه" المكون من "آمون" و"موت" و"خنسو".
أما الرومانسيون فلن يخطر ببالهم إلا مثلث العشق الذي يتلخص في رجل وامرأة وشخص ثالث والذي لخصه الشاعر العربي القديم في بيت واحد من الشعر وهو:
"جننا بليلى وهي جنت بغيرنا وأخرى بنا مجنونة لا نريدها"
وعن هذا البيت بالتحديد قال "غازي القصيبي" الشاعر السعودي الشهير: " نصف المشاكل العاطفية يلخصها هذا البيت. ولو قاله فرويد في مؤتمرات علم النفس لاعتبر نظرية علمية أمّا وقد قاله أعرابي كحيّان فقد ظل مجرد بيت شعر."
أما المثلث الذي لا يعرفه الكثيرون والذي نحن بصدد الكلام عنه الآن فهو مثلث من نوع آخر مختلف هو "مثلث لغوي".
وضع هذا المثلث أو الكتاب اللطيف في موضوعه الخفيف في حجمه الشيق في عرضه "أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد البصري" المتوفى سنة 206 هـ وهو أحد من تتلمذوا على سيبويه العالم النحوي المعروف وتعلم منه، وكان يدلج إليه، وإذا خرج رآه على بابه غدوة وعشية، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل فاشتهر بهذا اللقب واشتهر كتابه هذا بـمثلثات قطرب. والقطرب هو كائن صغير كان معروفاً على عهدهم وكان دائم الحركة يسعى على رزقه منذ الصباح الباكر حتى آخر الليل.
ومثلثات قطرب هي دراسة لغوية دلالية للمفردات التي تتفق في البناء الصرفي من حيث ترتيب الحروف، وتختلف حركاتها. وسميت مثلثات لأنها تجمع كل ثلاث كلمات في مجموعة، تتغير معانيها حسب حركاتها. واشتملت الدراسة على اثنتين وثلاثين مفردة مثلّثة حيث بدأ بمجموعة (الغَمْرُ، الغِمْرُ، الغُمْرُ)، وانتهى بمجموعة (الصَّلُّ، الصِّلُّ، الصُّلُّ).
وكان قطرب قد كتب المثلثات منثورة فلما وصلت إلى "أبي بكر الوراق" بمدينة "بهنسا" استحسنها ونظمها شعراً. ثم جاء من بعده عدة أشخاص آخرين نظموها أيضا شعراً مثل ابن زريق وعبد العزيز المكناسي.
وقد كان قطرب أول من ألف في هذا المجال، وتبعه غيره كالبطليوسي والخطيب والبلنسي بمؤلفات فاقته من حيث عدد الكلمات المدروسة وتنوعها، وقد عرضها بطريقته الخاصة، إذ رتبها ترتيبا تصاعديا بدءًا من أخفّ الحركات، وهي الفتحة وانتهاء بأثقلها وهي الضمة، ثم يستشهد على المفردة بأحد الشواهد من القرآن والحديث والأشعار.
ونعرض هنا بعض النماذج المختصرة من كتاب "مثلث قطرب" .
تـــيـم قلــبـي بالكَـــلام وفي الحشا منه كِلام
فسرت في أرض كُلام لـكــي أنـال مطـلبـي
الكِلام بكسر الكاف: الجراح في الجسم
الكُلام بـضم الكاف: الأرض اليابسة الصلبة
الحَرة ، الحِرة ، الحُرة:
ثـبت بأرض حَـرة مـعــروفة بـالحِــرة
فقلت يـابـن الحُـرة إرث لما قد حل بي
الحِرة بكسر الحاء: العطش
الحُرة بضم الحاء: هي الحرة من النساء
الصَرة ، الصِرة ، الصُرة:
صاحبني في صَرة في ليلة ذي صِرة
وما بـقـي في صُرة خـردلة من ذهـب
الصَرة بفـتـح الصاد: جماعة من الناس وقيل أيضاً هي الضجة والصيحة
الصِرة بكسر الصاد: الليلة الباردة
الصُرة بضم الصاد: الخرقة يصر فيها الدراهم
القَسط ، القِسط ، القُسط:
طــارحني بـالقَسط ولم يزن بالقِسط
في فيه طعم القُسط والعنبر المطيب
القِسط بكسر القاف: العدل (ونضع الموازين القسط)
القُسط بضم القاف: طيب الرائحة
ولقد اشتريت هذا الكتاب من معرض الكتاب الأخير من دار "كشيدة" المعروفة بميولها الشيعية.
وكلمة "كشيدة" في اللغة العربية تعني الأداة المستعملة لإطالة الحرف المكتوب ليتحقق تساوي المقاطع " ـ ". والمثال على هذا:
باستخدام الكشيدة : طــارحـني بـالـقَـسـط
بدون الكشيدة : طارحني بـالقَسط
اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا.
عاطف شوشه









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق