الاثنين، 22 يونيو 2020

لامية العرب




لا أستطيع أن أخفي إعجابي الشديد ببعض الشخصيات التاريخية الذي يصل بي في بعض الأحيان إلى درجة الإنبهار الشديد بها. 

ومن هذه الشخصيات شخصية تتعدد صفاتها تعدداً مذهلاً وتتناقض أيضاً تناقضاً مذهلاً. ومن  صفات هذه الشخصية أنه كان فتاكاً وكان عداءاً وكان صعلوكاً وكان شاعراً وكان من الخلعاء.



هذه الشخصية هي ثابت بن أوس الأزدي الملقب بـ "الشنفري" المتوفى سنة 70  ق. هـ.  والذي تعد سيرته من أكثر السير غرابة وتشويقاً فيما تداوله المؤرخين ورواة الأخبار ممن يهتمون بتاريخ العرب الجاهلي وسير مشاهيرهم وشعرائهم.

وقد عاش الشنفري بين بني سلامان من بني فَهم الذين أسروه وهو طفل صغير . ولما شبّ وعرف بقصة أسره حلف أن يقتل من بني فهم مائة رجل.

عاش الشنفرى في البراري والجبال مع إخوانه تارة ومنفرداً تارة أخرى يغزو على قدميه وعلى فرسه ويهاجم الناس ويسلبهم . مات مقتولاً على يد أحد أفراد القبيلة التي انتقم منها وقتل تسعة وتسعين من رجالها . أما القتيل المائة فقد قيل إنه بعد أن مات الشنفري رفسه القاتل على جمجمته فدخلت شظية في قدمه وقتلته.

وكان ممن قتلهم رجل قتله في منى في موسم الحج. إذ قيل له هذا الرجل هناك هو قاتل أبيك فمشى إليه وقتله.

وعلى الرغم من أن عدداً من قصائد العرب الجيدة قد جمعت في مجموعات مميزة  كالمعلقات و الأصمعيات و المفضليات  إلا أن قصيدة واحدة لم تنفــرد باسم خاص بها كما حدث لـ "لاميّة العرب" التي نظمها الشنفري مما يميزها عن غيرها من القصائد مما يثير التساؤل عن سبب تفردها بهذه الميزة.



 و"لاميّة العرب" هي القصيدة التي أولها :

أقـيـمــوا بـني أمـي صدور مـطيـكـم             فـإنـي إلى قــوم ســواكـم لأَمْـيــل
فـقد حـمت الحـاجـاتُ، والـلـيـلُ مقمرٌ     وشُـدت، لِطـياتٍ، مـطـايا وأرحُلُ
وفي الأرض مَـنْأيً للكريم عن الأذى           وفـيهـا لـمـن خـاف القِـلى مُتعزَّلُ
لَعَمْرُكَ ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ     سَـرَى راغـباً أو راهباً وهو يعقلُ

و لا شك أن للنقاد الذين أطلقوا عليها اسـم " لاميّة العرب " أسبابهم المقبولة. ويصفها النقاد بأنها " صدرت عن طبيعة صافية و فطرة ساذجة لا تكلف فيها و لا تصنع و لا رياء لذلك جاءت معانيها مواكبة لآلام الشاعر و آماله و طباعه و أحداث حياته. و اشتملت على فضائل إنسانية و محامد خلقية لم نجدها في كثير من قصائد معاصرية مثل الصبر و العفة و سمو النفس و علو الهمة و إباء الذل و الضيم ".

كما أُعجب المستشرقون أيضاً باللامية ، فترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية واليونانية.

و يشير النقاد أيضاً: " حسب هذه القصيدة فخراً أن الرواة نسبوا للنبيّ ( ص ) قولاً جاء فيه { علموا أولادكم لاميـّـة العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق }  فإذا صحت هذه الرواية تكون هذه القصيدة و صاحبها قد بلغــا درجة رفيعة لم يبلغها أصحاب المعلقات على عظمة قدرهم الشعري و نفاسة قصائدهم و ذيوع صيتهم في الآفـاق ".

و يضيف النقاد أن من الملاحظات المهمة التي تميزت بها اللامية بعكس كثير من قصائد الشعراء الفحول "كعنترة"  و "عمرو بن كلثوم"  أنها قد خلت من حديث  الخمر و المباهاة بشربها و الإنفاق عليها. ولم تتضمن ذكر النساء و التهالك على التلذذ بهنّ و سمت أبياتها عن الإقرار بالفحش كما في بعض شعر "إمرئ القيس".

وكان ما أثار إهتمامي بهذا الشاعر قصيدة جميلة أخرى له والتي يقول فيها:

أَلا أَمُّ عَـمـرو أَجـمَـعَت فَاِستَقَلَّتِ         وَمـا وَدَّعَـت جـيـرانَها إِذ تَوَلَّتِ
وَقَد سَـبَقَـتـنا أُمُّ عَــمرو بِـأَمـرِها         وَكَانَت بِأَعـنـاقِ الـمَـطِيَّ أَظَلَّتِ
بِعَينَيَّ ما أَمسَت فَباتَت فَأَصبحَتَ         فَـقَـضَّت أُموراً فَاِستَقَـلَّت فَوَلَّتِ
فَــوَا كَـبِـدا عَـلى أُمَـيمَـةَ بَـعـدَمـا         طَمِعتُ فَهَبها نِعمَةَ العَيشِ زَلَّتِ

وينتمي الشنفري  إلى الفئة التي عرفت بـ " صـعــاليك العــرب " وهي فئة انتفضت من قلب طبقة الفقــراء و المظلومين ثارت على أعراف القبيلة و ظلم أغنيائها وحاولت بطريقتها الخاصة إرساء قواعد لمجتمع يسوده العدل و التكافل. و يقال أن أفراد هذه الفئـة قد امتازوا بالشجاعة و الأنفة و الإقدام و أنهم لم يخرجوا على قبائلهم لسفه أو دناءة خلق  لكن من أجل تغيير الأعراف الجـائرة. ولأنهم كانوا يؤمنون بعدالة قضيتهم ،  فقد كان الصعاليك يفتخرون بأعمالهم وغــاراتهم و إن كان يتخللها بعض من نهب و سبي و قتل . ولا ينسى هؤلاء الصعاليك و هم  يغيرون و يقتلون أن يحافظوا على فضائلهم و قيمهم الخلقية.

و قد مثل الشنفري حركة الصعلكة  بقيمها و مظاهرها  أدق تمثيل و كان مثالاً للصعلوك المتسلح بالصلابة و الشجاعة و الجرأة فمن حيث القوة البدنية كان يسابق الخيل حتى ضرب به المثل في سرعة الجري فقيل " أعدى من الشنفري " وقد ذرع خطوه ليلة قتل فوجد أن أول نزوة نزاها كانت إحدى وعشرين خطوة، ثم الثانية سبع عشرة خطوة.

هذا إلى جانب تحليه بالفضائل و القيم الخلقية و السلوكية و كان يقيم أطيب العلاقات مع زملائه  الصعاليك من أمثال "تأبط شراً" و "عامر بن الأخنس" و "عمرو بن براق"  وغيرهم .
و حين قتل "الشنفري" أقسم "تأبط شرّا" أن ينتقم له و رثاه بقصيدة  عدد فيها مآثره و سجاياه.

وحين قبض عليه "بني سلامان" ربطوه إلى شجرة، فقالوا: قف أنشدنا، فقال مقولته المشهورة التي أصبحت مثلا: "الإنشاد على حين المسرة".  
أي أنه لا ينشد الشعر إلا إذا كان مسروراً.

ثم أنهم سألوه حين أرادوا قتله - أين نقبرك فقال:


لاتقبروني! إن قبري محرم عليكم ولكن أبشري أم عامر

وأم عامر هي كنية الضبع عند العرب. أي أنه أبى عليهم أن يقبروه وإنما أن يتركوه طعاماً للضواري في العراء.




عاطف شوشه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق