الأربعاء، 6 أبريل 2016

نوبة الحراسة




















منذ عدة سنوات وأنا أعمل في وظيفة سرية.


أتوجه إلى مقر عملي هذا ليلاً. أحرص على ألا يراني أحد من قاطني البناية في صعودي أو نزولي. إذا صادفت رجلاً على السلم ألقي السلام بسرعه وأمضي. لا أزيد أبداً على السلام. إذا صادفت إمرأة فإنني أتوقف حيث أنا وأدير وجهي للحائط ونظري إلى الأرض حتى تمر من خلفي. لاأتذكر أبداً وجه أي أحد من قاطني المبني سواءاً رجالاً كانوا أو نساءاً.



في الصباح أنسل خارجاً وأنزل السلم بسرعة أخشى أن يراني أحد من سكان البناية.



وظيفتي السرية هي الحراسه.







أحرس أشياءاً لأناس غادروا ولا يعودون إلا نادراً. عشقت أشياءهم لأنها ببساطة شديدة .. أشياءهم. أحرص على ألا يتبدل مكان الأشياء حتى إذا عادوا وجدوا كل شيئٍ كما تركوه في مكانه. لذا أنفض التراب عن الأشياء بحرصٍ بالغ. 

بصمات أصابعهم على الأشياء أحرص دوماً على ألا أمسحها.

أصبحت هناك علاقة خاصة بيني وبين الأشياء حولي. أصبحت مثل أمي التي كنت أسمعها تخاطب الأشياء في المنزل وهي تتعامل معها يومياً. كأن تقول للطعام إذا تأخر غليانه على الموقد "أأنت في جنه" لأن الجنة عكس النار. ولكن الفرق بيني وبين أمي أنني أخاطب الأشياء بدون كلام مسموع.

أجوب المكان كل ليلة عدة مرات أتفقد الأشياء كلها قبل أن أطفئ الأنوار. أعدل مواضع صورهم على الجدران. أتلو آيات القرآن في كل الأركان. أدعو الله أن يحفظهم.

حالة من السكون والسكينة والخمول تنتابني في فترات غيابهم عن أشيائهم. أترقب عودتهم كل مساء حتى في أيام يستحيل فيها إمكانية العودة. وكم أغواني الليل الطويل بانتظارهم حتى بزوغ الفجر.

آخر عودة لهم كانت منذ عدة أشهر. أرقب تحركاتهم في المكان بشغف بالغ. الأشياء إشتاقت للمساتهم أكثر من إشتياقي لهم. لم يلبثوا إلا ليلة واحدة ثم غادروا سريعاً لتتصل من جديد فترات غيابهم الطويل. لم يكن الوقت كافياً لأن يلمسوا كل الأشياء. لم يكن الوقت كافياً حتى أن ألمسهم.

عندما يغادرون وإتباعاً للعادة المصرية القديمة لا "أكنس" البيت بعد خروجهم فهذا فأل سيئ آملاً أن يعودوا مرة أخرى.

أفزع تماماً إذا دق جرس الباب أو الهاتف لأن الصوت يكسر بحدة مفاجئة  حاجز الصمت المطبق حولي والأهم من ذلك أنه يقطع هذا الحوار الداخلي المستمر الطويل بيني وبين الأشياء بطريقة مباغتة. لا أرد على الهاتف ولا أفتح الباب لأن أصحاب الأشياء التي أحرسها لازالوا في فترة الغياب.


أن يحال بينك وبين الأشياء التي تحبها بلا مبرر منطقي أمر مؤلم جداً. 

إنتظار الفراق أصعب من الفراق. 

الإنتظار قنبلة موقوتة. 

بدأ العد التنازلي 
باقي من الزمن 
 سـنة 
 شهر
 أسبوع 
 يــوم 
ساعات 
دقائق 
ثواني 

إنتهى الوقت
دق جرس الإنتباه
حان موعد  فراق الأشياء
ودعت المكان
وإنتهت نوبة الحراسة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق