الجمعة، 1 مارس 2019

ثروتي لولدي

نجح في أن ينقل ثروته بأكملها عندما أصبح حتماً عليه أن ينتقل مسافراً حزيناً.



قبل موعد السفر بمدة حرص على أن يحصي ثروته كلها والتي كان قد بذل جهداً مضنياً في جمعها على مدار سنين طويلة  قضاها هناك.

كل قطعة في هذه الثروة إقتناها بعد معاناة شديدة في البحث عنها وكان عليه أيضاً التحقق من صانعها ومتى صنعها وأين كانت صناعنها وماذا كان الغرض الظاهر والغرض الخفي من وراء صناعتها وما هو عمرها وتاريخها وما هو تقييم السابقين لها ممن رأوها قبله أو ممن إقتنوا قطعة مماثلة لها في يوم من الأيام. 

يقلبها بين يديه يتأكد من قيمتها وجودة صناعتها وما إذا كانت مستوفية لكل شروطه أم لا. وإذا كانت مستوفية يشتريها بدون أن يجادل البائع في ما سيدفعه فيها من أموال. 

بعض القطع تركها مكانها ولم يقتنيها حين أصبحت فعلاً بين يديه لأنه لم يستطع أن يتخذ قراراً نهائياً بشأنها رغم إستيفائها لجميع شروطه القاسية.

عندما  يعود إلى منزله وبعد بضعة ساعات يبدأ في الإحساس بحنين طاغ إليها فيسهر ليله يفكر فيها وفي المتعة التي ستجلبها له معها إذا إقتناها ثم إذا نام تأتيه في أحلامه كأجمل ما تكون. في اليوم التالي يكون كل همه هو كيف يصل إلى البائع قبل أن يصل إليه أحد آخرغيره ويقتنيها قبله. أما إذا لم يغلبه الحنين ولم تزره في أحلامه فينساها ولا يقتنيها.

بعد أن أحصى كل ثروته تمهيداً لعمل الترتيبات اللازمة لنقلها أخذ يفكر كيف يحميها من التلف المحتمل أثناء نقلها وكيف يغيب عنها الأنظار حتى لا يفطن أحد ممن سيحملها أو ستمر بين يديه أثناء سفرها إلى قيمتها الحقيقية المختفية في داخلها. 

شرع بعد ذلك في تغليفها بنفسه قطعة قطعة بعناية فائقة آخذاً في الإعتبار كل الإحتمالات الممكنة لتلفها ليتجنبها عند إعدادها للإنتقال والرحيل.

الآن وبعد أن أحس أنه راضٍ تماماً عن عمله الذي إستغرق وقتاً طويلاً في الإعداد بدأ يفكر في كيفية نقلها وبعد التفكير قرر أن يبتعد عن طرق الشحن المكلفة لأنها تلفت الأنظار دأئماً إلى قيمة ما بداخلها. إذن سيكون النقل في صناديق من الكرتون مستعملة من قبل وليست جديده مع الحرص ألا يكتب عليها ما يشي بما في داخلها. ويكون حجم الصناديق صغيراً لكي لا تكون ثقيلة على من يحملها فيكون إحتمال سقوطها عالياً.

وقد تم الأمر كم خطط له تماماً ووصلت الصناديق التي كان هو بنفسه في استقبالها بأمان تام وإن كان لم يستطع أن يخفي إنزعاجه من الطريقة الخشنة التي عامل بها العمال هذه الصناديق بمحتوياتها الثمينة وكاد قلبه أن يتوقف عن العمل عندما بدا له أن أحد العمال كاد أن يسقط صندوقاً منها قبل أن يصل إلى الأرض ببضعة سنتيمترات.

والآن إلى المتعة الكبرى. متعة إفراغ محتويات الصناديق وإعادة إكتشاف القطع التي بها والإستمتاع برؤيتها مرة أخرى تخرج إلى النور بعد أن غابت عنه طوال فترة سفرها كانت خلالها في غير مأمن في أيد أخرى غير يديه.

صرف الجميع من حوله إلا من ولده القريب من قلبه. نقلوا سوياً كل الصناديق إلى غرفة واحدة بحرص وبعناية تامة. وبدأت عملية إعادة الحياة إلى الثروة مرة أخرى.

عند فض كل قطعة من غلافها كان يقلبها بين يديه بعشق ظاهر في عينيه ليتأكد من أنها قد وصلت إلى مقرها الأخير بدون أي أضرار أو خدوش قد تؤثر على قيمتها. 

حرص على أن يحكي لولده ووريثه الوحيد تاريخ كل قطعة وكيف إقتناها وأين وجدها وقيمتها قبل أن يتناولها إبنه منه بعناية فائقة ثم يجد لها مكاناً يليق بها بجوار أخواتها ممن سبقوها فوق رف الكتب.


عاطف شوشه






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق