الخميس، 1 أغسطس 2019

الــــورع أعلي مراتب الإيمان



كانت لي خالة رحمها الله تعلمني  وأنا طفل  صغير أنني إذا إختلست النظر إلى   مجلة أو جريدة تخص أحداً من الناس في مكان عام وقرأت فيها ولو كلمة واحدة من غير أن أستأذن صاحبها فقد إرتكبت ذنباً لا يقل عن ذنب السرقة وذلك بأخذ ما ليس يخصني بدون إذن مالكه. 
ولم أكن أعلم وقتها لصغر سني ما معنى الورع ولكنني وعيت المعنى العميق وراء كلماتها وظللت طوال حياتي أراقب نفسي حتى لا أحصل إثماً.



و كتب التراث الإسلامي زاخرة بأخبار الصالحين والزهاد وكيف كانوا مثالاً حياً للورع والتقوى. كما ألفت المصنفات الكثيرة التي تتحدث عن الورع وتبين معناه اللغوي كما تشرحه المعاجم العربية ومعناه الإصطلاحي كما عرفه السابقين والمتأخرين وكذلك أنواعه مثل ورع البصر وورع اللسان والسمع واليد والبطن ودرجاته والسبل المؤدية إلى تحقيقه.


ومراتب الورع ثلاثة:
- واجب وهو الإحجام عن المحرمات وهذا للناس كافة.
- الوقوف عن الشبهات ويفعله عدد أقل من الناس.
- الكفّ عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات وذلك للخاصة


ومن المصنفات التي ألفت في الورع:


"كتاب الورع" لأبن أبي الدنيا

"كتاب الورع" لعبد الملك الألبيري
"كتاب الورع" لأبي بكر المروذي
"كتاب الورع" للإمام أحمد بن حنبل
"الورع" لمحمد بن نصر المروزي


هذا بالإضافة إلى الأبواب الكاملة التي كتبها أئمة عظام عن الورع ضمن مؤلفاتهم مثل:

"أبو حامد الغزالي" في "إحياء علوم الدين"
"إبن القيم" في "مدارج السالكين"
"إبن الجوزي" في "صيد الخاطر"

وأصل الورع الكف عن المحارم ثم أستعير للكف عن الحلال والمباح


وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة: "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" أي تركه فضائل الأمور أي ما يزيد منها على حاجته أي تركه مالا يحتاج إليه في معاشه أو في عباداته

- فلا يتكلم إلا بالكلام الذي يحتاج إليه "فليقل خيراً أو ليصمت" كما في الحديث
- ولا يأكل من الطعام إلا "لقيمات يقمن أوده" كما في الحديث
- ولا يقتني من متاع الدنيا إلا "كمتاع المسافر" كما في الحديث أيضاً
- ولا يمشي إلا لطاعة كأن يمشي إلى المسجد أو إلى تحصيل علم نافع سواءاً كان علماً دينياً أو دنيوياً أو يمشي لقضاء حاجة أخيه كما في الحديث
- ولا يستمع إلا إلى المباح فلا يقعد "حتى يخوضوا في حديث غيره" كما قال الله تعالى. والإنسان غير مكلّف بما يسمع ولكن بما يستمع إليه.
وكذلك سائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.

وقد ذكر أهل التاريخ أن أخت بشر الحافي وهو من الزهاد المشهورين بورعهم جاءت إلى الإمام أحمد بن حنبل وقالت له: إنا نغزل على سطوح بيتنا ، فتمر بنا مشاعل الظاهرية ، ويقع الشعاع علينا ، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟.
فقال الإمام أحمد: من أنت عافاك الله تعالى؟
فقالت: أنا أخت بشر الحافي.
فبكي الإمام أحمد وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لاتغزلي في شعاعها. 

وأُتي إلى عمر بن عبد العزِيز يومًا بمسكٍ من الفيء فوضع بين يديه فوجد ريحه فوضع يده على أَنفه وقال:" أخروه" حتى لم يجد لَه ريحًا وقال:"  إنما ينتفع من هذا بريحه وأنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين".

وكان عمر يصلِي العتمة ثم يدخل على بناته فيسلم عليهن فدخل عليهن ذات ليلة فلما أحسسنه وضعن أَيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب فقال للحاضنة ما شأنهن قالت إِنه لم يكن عندهن شيء يتعيشنه إِلَّا عدس وبصل فكرهن أَن تشم ذلك من أفواههن فبكى عمر ثم قَال لَهن يا بناتي ما ينفعكن أَن تعشين الألوان ويمر بأبيكن إلَى النار فبكين حتى علت أصواتهن ثم انصرف.

قال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين: ورع في الظاهر وورع في الباطن. فورع الظاهر: أن لا يتحرك الإنسان إلا لله، وورع الباطن: هو أن لا تدخل قلبك سوى الله.

قال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة طرفاً من الرضا.

قال ابن الأعرابي: المعرفة كلها الاعتراف بالجهل ، والتصوف كله ترك الفضول ، والزهد كله أخذ ما لا بد منه ، والمعاملة كلها استعمال الأولى فالأولى ، والرضا كله ترك الاعتراض ، والعافية كلها سقوط التكلف بلا تكلف. 

قال الشيخ أبوالعباس: "الورع من ورعه الله"

اللهم أجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا



كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق