الاثنين، 1 مارس 2021

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ


سورة المائدة الآية الأولى أثارت عندي تساؤل يرتبط بما كتبته في المقال السابق عن أهل الذكر عن كيفية تفسير الآيات القرآنية ووجوب ربط الآية الواحدة تفسيرياً بالآيات من قبلها وبعدها بل وتفسير الآية الواحدة دون تجزئتها والتعامل معها كأجزاء منفصلة تشريعياً وتفسيرياً.

والسؤال الذي تثيره الآية الأولى في سورة المائدة هو: ماهي العلاقة بين الوفاء بالعقود وبين الأنعام وأحكامها في هذه الآية:  

"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)"

وقد لجأت إلى التفاسير الشهيرة بحثاً عن إجابة لهذا السؤال. ولنعرض ما قاله كل مفسر في كيفية تفسيره لهذه العلاقة:

تفسير "السعدي":

السعدي ربط بين جزئي الآية بالطريقة التالية:

فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها ثم قال ممتنا على عباده: { أُحِلَّتْ لَكُمْ ْ}

ولم يقم بأي محاولة للربط بين العقود والأنعام بأي طريقة.

تفسير "ابن كثير":

أما ابن كثير فقد قام بتفسير الآية على أنها مقطعين منفصلين تماما عن بعضهما. فبعد أن أسهب في شرح "أوفوا بالعقود" وبين أنواع العقود انتقل إلى بقية الآية دون أن يتكلف عناء الربط بين أجزاء الآية الواحدة فقال:

"وقوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) هي : الإبل والبقر"

تفسير "القرطبي":

أما القرطبي فقد قسم الآية إلى خمسة أجزاء وشرح كل جزء منها على حده. يقول القرطبي:

الآية تضمنت خمسة أحكام :

الأول : الأمر بالوفاء بالعقود.

الثاني : تحليل بهيمة الأنعام.

الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك.

الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد.

الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. 

تفسير "الطبري":

أما الطبري فقد اكتفى بفصل أجزاء الآية عن بعضها كما يلي:

و " الإيفاء بالعهد "، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.

* * *

القول في تأويل قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ . . . 

وشرح كل جزء منفصلاً.

تفسير "البغوي":

يقول البغوي في تفسيره:

هي عهود الإيمان والقرآن ، وقيل : هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم.

( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) قال الحسن وقتادة : هي الأنعام كلها

ولم يذكر البغوي أي صلة ما بين العقود والأنعام

تفسير "البيضاوي":

ينص البيضاوي في تفسيره على ما يلي:

ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله سبحانه وتعالى على عباده وألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به، أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب. أحلت لكم بهيمة الأنعام تفصيل للعقود.

وهذه أول محاولة أصادفها للربط بين أول الآية وبقيتها بغض النظر عن اتساق المعنى الذي ذكره لهذا الربط. وهو يرجو أن يكون تفسيره صحيحاً ويستعمل لفظ "لعل" وكانه أيضاً يعتذر لأنه لم يصل إلى نتيجة أكثر منطقية من هذه.



تفسير الشعراوي:

 يقول الشيخ كلاماً كثيراً ويرهق نفسه  والمعاني لإثبات وجهة نظره. وما يريد الشيخ إثباته هنا هو أن الإيمان عقد بين الإنسان وربه بموجبه يجب على العبد طاعة الله فيما حرم وما أحل. وأن الله سخر الكون كله للإنسان وأن الأنعام هي أعلى منزلة في التسخير وخدمة الإنسان. إذن بموجب هذا التسخير يجب علينا الوفاء بهذا العقد. الإيماني. يقول الشيخ:

{ أَوْفُواْ بالعقود } أي نفذوا ما أمر الله به حلالاً، وامتنعوا عن الشيء الذي جعله الحق حراماً. ولا داعي - إذن - للاختلاف في معنى " العقود ".

ويقول أيضاً:

وجاء الحق هنا بالإعلان عن أعلى المنزلة في خدمة الإنسان وهو بهيمة الأنعام { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } ويأمرنا بأن نوفي بالعقود، وله سبحانه وتعالى كل الحق فقد قدم لنا الثمن بخلق الكون مسخراً لنا وقمة المخلوقات المسخرة هي الأنعام.

 التفسير "الوسيط" للقرآن الكريم :

لم يهتم المؤلف  محمد سيد طنطاوي بإيجاد العلاقة بين أول الآية وبقيتها شأنه شأن المفسرين القدماء الذين نقل عنهم حرفياً تفسير هذه الآية.

تفسير "أضواء البيان في تفسير القرآن":

بدأ الشنقيطي تفسيره من عند لفظ "أحلت" مهملاً تماما ما قبلها من الآية.

 تفسير "التحرير والتنوير": 

يقوا "ابن عاشور": أشعر كلام بعض المفسّرين بالتَّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام } بقوله { أوفوا بالعقود }.

وأشكر ابن عاشور الذي لاحظ ما لاحظته أنا. وهو يقول بأن لفظ "العقود" يشير إلى ما بعد لفظ "أحلت" أي أن العقود هي التحريم في "ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وانتم حرم".

وأكتفي هنا بهذه التفاسير العشرة التي أجمع معظمها على تفسير صدر الآية منفصلاً عن بقيتها أو ما أسميه أنا التفسير المُجزأ لآيات القرآن".

وهناك تفسير آخر حديث أتى به الباحث "علي منصور كيالي" يقول:

عقد عنق الدابة أي هيأها للذبح الحلال وليس عقد بين طرفين. وهي طريقة الذبح الإسلامية التي يحل بها للمسلم أكل لحومها. 

وقد تعرض الكيالي للهجوم العنيف بسبب هذا التفسير الذي خالف به حفظة التفاسير العتيقة وشأنه في ذلك شأن كل من حاول أن يجدد أو يخالف كل ما حفظته الذاكرة الإسلامية لقرون طويلة.

وأكرر هنا ما قلته في مقالي السابق : إذا كان تفسير أي آية من القرآن لا يستقيم إلا بعد ربطها بالآية التي قبلها والتي بعدها حتى لا نفقد القرآن موضوعيته. فكيف والحال كذلك أن يستقيم تفسير جزء من آية منفصلاً عن بقية الآية من قبله أو من بعده؟ 

ولا أدري إن كانت هناك قاعدة في علم التفسير تجيز للمفسرين هذا التفسير المجزأ للآية الواحدة أو إن هناك اتفاق ضمني بين علماء التفسير على ذلك عند الضرورة.

عاطف شوشه



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق