الأحد، 6 يناير 2019

سفر الخروج

غاب ببصره للحظات قصيرة في الفراغ الواقع على يمين المسجد بالقرب من شجرة نحيلة تقاوم أوراقها الذبول أعواماً بلا فائدة. 
لحظات مرت كأنها دهراً طويلاً. 
لحظات إختزلت عمراً بأكمله.

كان قد أنهى صلاة جمعته وخرج من المسجد القريب من المنزل كعادته لأعوام مضت. عمال المسجد يتعجلون المصلين ليجمعوا الفرش خارج المسجد. في هذه البقعة كان يراه وهو ينهي صلاته. ينتظره قليلاً ليمضيا معاً يتجاذبان أطراف الحديث في مواضيع ليست بالهامة. قد ينصرف  كلاً منهما إلى منزله ولكن في معظم الأحيان كان يصعد معه إلى شقته ويشربان الشاي سوياً. بحركة تلقائية كان يلتف حوله وهما  يسيران ليستطيع سماعه جيداً إذ كان يعاني من ضعف في السمع في أذنه اليسرى منذ زمناً طويلاً.

هذه الجمعة على التحديد كان لا يمكنه أن يراه ولن يراه بعد ذلك أبداً وعلى الرغم من معرفته هذه الحقيقة معرفة اليقين فقد ظل للحظات ينظر إلى المكان  قرب الشجرة الذي  اعتاد أن يراه فيه. مد بصره إلى الطريق الترابي الطويل المؤدي إلى المسجد لعله يكون قد أنهى صلاته مبكراً ومضى ولم ينتظره  كما لم يفعل من قبل إلا نادراً. ولكنه لم يكن هناك أيضاً.

الحقيقة المؤلمة التي لم يعيها كاملة حتى الآن هي أنه قد شيعه بالأمس فقط إلى مثواه الأخير.  وافته المنية وقت إقامة صلاة الفجر. لم  ينفعه  النداء بأن يتماسك لعدة دقائق أخرى حتى يخرج المضطربين المحيطين به من حالة الذهول التي صدمتهم  ليعرفوا ماذا يجب  عليهم أن يفعلوا في اللحظة التالية. لم ينفعه الإسراع به إلى المستشفى القريب الذي رفض الطبيب بها استقباله لأنه كان قد  فارق الحياة قبل أن يصل إليها مع النصيحة بأن يعودوا به  إلى منزله كما أتوا به. لم ينفعه فزع المقربين حوله  أو بكاءهم. 

إنتهت طقوس خروجه  من الدنيا سريعاً جداً. ساعات قليلة وقضي الأمر كله وأصبح ذكرى بعد أن كان واقعاً. ما أسهل الخروج من  الحياة وما كان  أصعب الدخول إليها والعيش فيها. ما أسهل مفارقة  كل الأشياء التي نعتقد  أنها هامة جداً وعزيزة جداً مهما تشبثنا بها وتشبثت بنا. ما  أيسراستمرار الحياة بدوننا وما أسرع إنتظام حركتها وكنا نظن أنها ستتوقف بعدنا.

لحظات قصيرة إختزلت عمر إنسان بأكمله وأكدت أن  ذلك  الفراغ سوف يظل فراغاً  للأبد.

كان الطقس بارداً جداً خارج المسجد على غيرعادته. أحس برعشة تسري في جسده. حول بصره والتفت ببطأ شديد. 

غادر المكان ومضى وحيداً.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق