قالت له بتأفف و بضيق شديد: أنت كثير الحركة
تململت وأشاحت عنه بوجهها
عبست وأدارت له ظهرها
كان دائما ما يعتقد أن حركته النشطة هذه هي أجمل ما يميز علاقتهما. الآن هي أصبحت تكره هذه الحركة.
ترى هل هي قد صارت تكرهه هوالآخر؟
كان يحلم بها طوال سنين غربته الطويلة. كان يحلم بدفء وجودها بجواره. والآن أدرك أنه لن يفيق من حلمه أبداً وأن الحلم سيظل حلماً وأنه لن يرجع من غربته أبداً وأن الغربة مازالت مستمرة حتى بعد عودته الأسطورية التي أيقن الآن أنها عودة ظاهرية.
بعد أن تأكد أنها تكره حركته الدائمة والمستمرة أقسم على نفسه ألا يتحرك بعد ذلك أبداً.
يتذكر الآن قصة قصيرة قرأها في كتاب صغير باللغة الإنجليزية إشتراه من بائع على سور الأزبكية منذ فترة طويلة ولكنه لا ينساها. القصة تحكي عن شخص يدعى تشارلي . . .
سألها: من هذا ؟
قالت باقتضاب: "هذا هو تشارلي" ثم صمتت ولم تلتفت إليه.
نظر نحوها باستغراب شديد ونحو هذا الشاب اليافع الذي يجلس بين يديها طفلاً لا حول له ولا قوة. فاقد النطق فهولا يتكلم مطلقاً. قد أصاب أطرافه الأربعة الشلل التام فهو لا يتحرك بنفسه أبداً. وهي رغم شبابها وجمالها وحيويتها تقوم على جميع شؤنه كما تفعل الأم مع طفلها الصغير وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا النظر إليها وهي تفهم ما لا يستطيع أن يقوله بمجرد النظر في عينيه.
نظر إلى الرجل العاجز الذي يجلس أمامه ثم نظر إليها مرة أخرى مستفسراً. قالت وهي مازالت منهمكة في قضاء شئون رجلها: كان تشارلي يحبني إلى درجة الجنون وكان يأتي كل ليلة حيث أعمل هنا في هذا الملهى ويكتفي بتقديم هدية في بعض الأحيان ولكنه في كل الأحيان كان يجلس بعيداً حيث يمكنه أن يراني طوال الوقت وأنا أرقص على المسرح أو أهتم ببعض الزبائن أقدم لهم الشراب وأجالسهم ولا أغيب عن نظره ولو للحظة واحدة ثم ينصرف في آخر الليل صامتاً. وفي يوم من الأيام جاء تشارلي ونظر إلي وجلس في مكانه المعتاد يرقبني وأنا أؤدي عملي ولم يتحرك بعد ذلك أبداً ولم يقم من مكانه ومن يومها وهو يجلس هكذا كما تراه.
أيقن لماذا يتذكر هذه القصة الآن. وكأنه هو نفسه تشارلي عندما أقسم بينه وبين نفسه ألا يتحرك بعد ذلك.
صار إذا ظهرت أمامه لا يستطيع الوقوف حتى وإن تحامل على نفسه وإن حاول بكل جهده فما أن ينتصب حتى يتذكر كراهيتها المعلنة لحركته فيفقد سيطرته على نفسه وترتخي عضلات جسده وتخونه قوته فيعود كما كان.
أصبح في عجزه صورة أخرى من تشارلي العاجز ولكن من دون أن يجد أحداً ينظر في عينيه ليعرف ماذا يريد.
كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق