هو عبد الرحمن عزام باشا الذي حلت ذكرى وفاته منذ أيام قليلة وبالتحديد في يوم الثاني من يونيو.
أطلق عليه لقب "جيفارا العرب" لأنه شارك في حروب كثيره إذ حارب ضد الصرب في صفوف العثمانيين وروسيا وحارب الإنجليز مع أحمد الشريف السنوسي و الفرنسيين وحارب ضد الطليان واحتل مع محمد صالح حرب والسيد أحمد الشريف الواحات المصرية. أنشأ الجيش المرابط خلال الحرب العالمية الثانية وساهم في صنع أول جمهورية في العالم العربي الجمهورية الطرابلسية.
ولد في قرية الشوبك الغربى في محافظة الجيزة، ودرس الطب في مصروإنجلترا. قاتل مع العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، ثم سافر إلى ليبيا ليشارك في القتال ضد الإيطاليين، حيث أصبح مستشار الجمهورية الطرابلسية. أسس القوات المرابطة وقادها إلى أن أصبح وزير للخارجية المصرية.
في 1923م عاد إلى مصر. في 1924م انتخب في مجلس النواب المصري. في 1936م عينه الملك فاروق الأول وزيرا مفوضا وممثلا فوق العادة للمملكة المصرية. في 1939م أصبح وزير أوقاف في وزارة علي ماهر باشا (18 أغسطس 1939م - 27 يونيو 1940م).
شارك في الوفد المصري لمؤتمر فلسطين في لندن سنة 1939م. في خلال وزارة أحمد ماهر باشا (15 يناير 1945م - 24 فبراير 1945م) ووزارة محمود فهمى النقراشى من (24 فبراير 1945م - 15 فبراير 1946م) كان أحد أعضاء وفد مصر لوضع ميثاق جامعة الدول العربية. من 22 مارس 1945م إلى 1952م أمين عام جامعة الدول العربية. بعد ذلك، سافر إلى السعودية حيث عمل مستشاراً في النزاع المتعلق بواحة البريمي حتى عام 1974م.
أن عبد الرحمن عزام هو صاحب فكرة إنشاء اتحاد عربي يضم جميع الشعوب العربية ومن بينها دولة فلسطين وانه قدم مذكرة بذلك لعدد من ساسة الدول العربية وخاصة المصريين وفعلا تحمست الحكومة المصرية الوفدية برئاسة الزعيم مصطفى النحاس باشا في ذلك الوقت للفكرة وانشئ الاتحاد باسم الجامعة العربية و لهذا السبب اختارته الدول العربية فيما بعد أول أمين عام لها.
إن الارتباط والتكامل بين الجامعة العربية والإسلام لايظهر فقط في كتابات عبد الرحمن عزام بل إنه عنصر بارز في حياته كلها منذ شبابه حتى وفاته. لقد كان طالبا بكلية الطب بجامعة لندن عندما دعا الخليفة للجهاد في حرب البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى فلبى الطالب الشاب نداء الجهاد وسارع إلى ميدان القتال تحت الراية الإسلامية في البلقان وعندما ثار شعب ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي الذي يهاجمه وضد الإستعمار الإنجليزى الذي يساعده من قواعده في مصر وكانت الدولة العثمانية الإسلامية تمد الثوار وغيرهم بالسلاح والمال والرجال سارع عبد الرحمن عزام بالانضمام إليهم وحمل السلاح معهم ضد الطليان والإنجليز.
لكن عمل عزام بالجامعة العربية لم يكن عملا بيروقراطيا سياسيا دبلوماسيا فقط كما كان يريد بعض الحكام العرب لأنه بقي وفيا للمبادئ التي دفعته للتطوع في ميادين الجهاد في البلقان وفي برقة وطرابلس وأهمها مبدآن: الأول أنه لم يفرق بين العمل للعروبة والعمل للإسلام. والثاني: أنه لم يفرق بين العمل السياسي والجهاد في ميادين القتال.
ففي بداية عمله بالجامعة بدأت أندونيسيا كفاحها ضد الهولنديين فسارع إلى مساعدة الحركة الوطنية في أندونيسيا وبدأ سياسة للتقارب مع الهند التي أدت إلى تكوين كتلة دولية جديدة في الأمم المتحدة تحمل اسم المجموعة العربية الآسيوية كان هدفها الأول هو الدفاع عن أندونيسيا حتى نالت استقلالها ولم يسمع لاحتجاجات بعض الزعماء العرب الذين قالو أن أندونيسيا ليست دولة عربية فلا شأن للجامعة العربية بقضيتها إنه رد عليهم بأنه بحاجة إلى مساعدة جميع الحركات الوطنية وإلى التعاون مع المجموعة الآسيوية لقضية فلسطين وأنهم فعلا تعاونوا معنا في قضية سوريا و لبنان ضد الحكم الفرنسي التي انتهت باعتراف فرنسا باستقلال الجمهوريتين العربيتين ولا يمكن أن نتخلى عن التعاون معهم ومع جميع المدافعين عن الحريات والاستقلال لجميع الشعوب وقد سار في دفاعه عن أندونيسيا حتى استقلت كما استقلت سوريا ولبنان.
لم تشغله قضية فلسطين ولا قضية سوريا و لبنان ولا أندونيسيا عن حبه الأول لأرض ليبيا وشعب ليبيا المكافح فقد جعل همه الأول عندما أنشئت الجامعة تمويل الحركة الوطنية في ليبيا ومساعدتها ماليا وسياسيا والدفاع عن مطالبتها باستقلال ليبيا ووحدتها حتى استقلت ليبيا كما استقلت سوريا ولبنان و أندونيسيا ودافع عن الحركات الوطنية في أفريقيا الشمالية حتى استقلت المغرب و تونس و الجزائر فيما بعد.
لم يكن خصوم عبد الرحمن عزام من العرب فقط بل ان أكبر خصومه وأخطرهم كانوا من غير العرب وخاصة الإنجليز والفرنسيين. في باريس عندما زارها لأول مرة عام 1946 م وحضر مؤتمره الصحفي الذي تكلم فيه عن القضايا العربية وسياسة الجامعة العربية إزاءها ولم يقتصر كلامه على قضية فلسطين ولا قضية ليبيا كما كان الفرنسيون يتوقعون وإنما تكلم عن قضايا تونس والمغرب و الجزائر مما أثار الفرنسيين الرسميين وغير الرسميين ولقد علقت الصحف الفرنسية على زيارة عزام وتصريحاته وكانت خلاصتها أن هذا رجل مخرف جاء لباريس ليتكلم عن شعوب خاضعة للسيادة الفرنسية والاتحاد الفرنسي وأن على الحكومة الفرنسية أن تلزم هذا الرجل حده أو تطرده من بلادها.
بعد خمس سنوات فقط من الزيارة الأولى ذهب إلى باريس في زيارته الثانية في خريف عام 1951 م ليدافع عن قضية المغرب أمام الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة وعادت الصحف الفرنسية تهاجمه وحاصرته الحكومة الفرنسية هو ووفد الجامعة العربية (الذي اشتركت فيه) حصار شديدا حتى لا يتصل بأحد من زعماء الحركة الوطنية في أقطار شمال أفريقيا ولكنه لم يأبه لهذا الحصار ولا لهذه الحملات الصحافية وفي حوار بينه وبين أحد العقلاء من الفرنسيين نصحه بان تقنع الجامعة العربية بقضية فلسطين ولا تنشغل بقضايا شمال أفريقيا إلا عندما تنتهي قضية فلسطين ولكن عزام قال له وأنا أنصح فرنسا بأن تنصف شعوب شمال أفريقيا وتكسب ودهم وصداقتهم لأنهم لا يمكن أن يرضوا بالتبعية الفرنسية وإذا لم تنصفوهم سوف يلجأون للسلاح وإذا حملوا السلاح فلن يضعوه حتى ينالوا حقوقهم إنني أعرفهم أكثر منكم وتجربتي معهم تأكد لي ذلك وقد أثبتت الأيام أنه كان صادقا.
بعد بضع سنين من هذا الحوار حملت شعوب أفريقيا الشمالية السلاح في تونس و المغرب و الجزائر وكافحت حتى نالت استقلالها حتى جاء ديجول وأنهى حرب الجزائر. ولم يقصر عبد الرحمن عزام نصائحه على الفرنسيين وإنما كان يسدي نصائحه لزعماء شمال أفريقيا الذين التقى بهم في باريس والقاهرة و كان يقول لهم أن الجامعة العربية لن تحصل لكم على الاستقلال بل عليكم أن تاخذوه بجهادكم وتضحياتكم وكل ما تفعله الجامعة أو الدول العربية هو أن تساعدكم في جهادكم وكان أول المساعدين فعلا وكان زعماء أفريقيا يعلمون بدوره ويقدرونه وكانوا يعلمون أن بعض حكام الدول العربية وزعمائها ووزرائها كانوا يفضلون أن يحتفظوا بصداقة فرنسا ولو أدى ذلك إلى التنكر للحركة الوطنية في شمال أفريقيا وأن هؤلاء كانوا يهاجمون سياسة عزام ويسعون لإبعاده عن الجامعة العربية ونجحوا في ذلك بعد ثورة يوليو 1952 م.
أكثر من ذلك فإن عزام قبل إنشاء الجامعة العربية وقبل الحرب العالمية الثانية دعا مصر إلى إنشاء قوات مسلحة شعبية وأقنع بذلك علي ماهر باشا عندما كان رئيسا للوزارة وأنشئت هذه القوات تحت اسم "الجيش المرابط" والمصريون الذين عاصروا إنشاء هذا الجيش يعرفون كيف فزع الإنجليز من هذا الاتجاه الخطر عليهم وكيف سعوا إلى إلغائه حتى نجحوا في إقالة علي ماهر وإخراج عبد الرحمن عزام من الوزارة واضطهاده شخصيا في أقسى فترة مرت في حياته.
إن الجيش المرابط الذي كان في نظره إحياء لفكرة الجهاد الشعبي الإسلامي التطوعي ويقينا بأن المصريين لن ينالوا حقوقهم إلا بالجهاد الشعبي ضد الجيوش الاستعمارية لذلك سارع بعد ذلك وهو أمين عام الجامعة بأن سخرها لمساعدة الفدائيين في فلسطين عام 1947-1948 وطلب من الحكومات العربية أن تسمح لضباط جيوشها بالتطوع لقيادة الكتائب الشعبية التي تمولها الجامعة العربية وفعلا صدر قرار بذلك وتطوع كثير من الضباط لقيادة كتائب المقاومة الشعبية التي كان يقودها الشهيد القائد البطل أحمد عبد العزيز.
بل إن المتطوعين الذين بدأوا العمل الفدائي ضد الإنجليز في منطقة القتال عام 1950 م يعلمون أن عبد الرحمن عزام لم يقصر في تدعيم الحركة الفدائية وتمويلها والدعاية لها حتى اعترفت بها الحكومة المصرية ودعمتها وشاركت فيها بقوات الشرطة كما هو معروف.
وإذا كان عزام قد أُبعد عن الجامعة العربية فإنه استمر في عزلته يدعوا لفكرتين أساسيتين يعتبرهما أهم خصائص الفكر الإسلامي هما فكرة الجهاد والفداء وفكرة الوحدة الإسلامية جميعا سواء كانوا عربا أو غير عرب ومن كان يريد معرفة مدى عمق الفكرة الإسلامية لدى عزام فعلية أن يقرأ "الرسالة الخالدة" أن رسالة العرب الخالدة في نظره هي الرسالة الإسلامية كما آمن بها وكما رسم خطواتها ودافع عنها في هذا الكتاب وأول أسس هذه الرسالة أنها لا تقر الاعتزاز بعنصر أو جنس وأن قيمة الإنسان في عمله وفي ساحة العمل والجهاد ينعم الجميع بأخوة التضحية ووحدة المصير والتسابق للشهادة.
منحته حكومة الدولة العثمانية قبل انتهائها في 1923 النيشان العثماني المجيدي والهلال الحديدي، وبعد انتهاء عمله في جامعة الدول العربية عمل مستشارا لدى دولة السعودية، وتقلد أرفع الأوسمة من حكومات الدول العربية "العراق وسوريا ولبنان والأردن"، وكذلك من حكومات "أفغانستان وإيران وتركيا ودولة الفاتيكان".
وكان عزام صهراً للملك فيصل إذ تزوج الإبن الثاني للملك والأميرة عفت الأمير محمد الفيصل من منى إبنة عزام. والأمير محمد الفيصل هو مؤسس الإقتصاد الإسلامي ومدارس المنارات الإسلامية الدوليه.
ومن مؤلفات عزام أيضاً كتاب: بطل الأبطال أو أبرز صفات النبي محمد.
توفي عبد الرحمن عزام باشا في مصر في 2 يونيو 1976 عن عمر يناهز إحدى وثمانين سنة، ودفن بمسجد عزام بحلوان. لقد طلب عزام الشهادة ولم يخش الموت في المعارك وساحات القتال لكن الموت جاءه فحمله إلى دار البقاء ليلقى زملائه في الجهاد في البلقان و في أرض برقة وطرابلس فهنيئاً له ولهم جميعاً.
عاطف شوشه
هذه المقالة منقوله بتصرف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق