هابطاً وحدي من الجنة
كلما أهبط منها طابقاً
أترحم على أصحاب
الأبواب المغلقة
كلما مررت أمام باب مغلق
يبتسم لي أصحابه من خلفه
أعرف وجوههم رغم الظلمة
أحتفظ بملامحهم في وجداني
أظل هابطاً فوق الدرج المعتم
يخيل إلي أن الدرج بلا نهايه
في نهاية الدرج فراغ شاسع
الفراغ يفضي إلى . . لاشيء
خطر ببالي خاطر فتذكرت أن الخطرات هي دواعي القلوب إلي كل خير وشر وهي إن كانت خاطرة خير فهي تنبيه للعبد من الله عز وجل. وذلك أن الله عز وجل يخطر ببال المؤمن لينبهه ويعظه. وفي الحديث: "من يرد الله به خيرا يجعل له واعظا من قلبه" فثبت بقول النبي أن الله يعظ عبده فيُخطر بباله ذكره ليتعظ بذلك.
وكانت الخاطرة التي خطرت ببالي في هذا اليوم وأنا أخرج من بيت والدتي لقضاء بعض شئوني أن أترحم على جيراننا الذين توفاهم الله وصارت بيوتهم خاوية مغلقة لا يسكنها أحد من بعدهم. وأنا كلما صعدت أو نزلت الدرج أمر على بيوتهم حيث أن والدتي تسكن في الدور العلوي وهو نفس البيت الذي ولدت أنا فيه منذ أكثر من ستون عاماً.
وكنت أحس قبل ذلك اليوم بشيء من الإنقباض والوحشة عندما أمر أمام أبواب بيوتهم. هي وحشة من يذكر من يحبهم بعد أن غابوا عنه كلما مر أمام دورهم. وهي نفس وحشة الشاعر عندما مر بأطلال حبيبته فأنشد يقول:
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل".
فقد قضيت أجمل أيام حياتي في هذا البيت وكان هؤلاء الجيران جميعهم بمثابة الأهل بعد الأهل والسند إذا احتجت يوما للسند وكان منهم أصدقاء الطفولة التي استمرت صداقتهم على مدى العمر على الرغم من تفرقنا في بلاد الله الواسعة إلا أننا نذكر بعضنا البعض في كل مناسبة ونتبادل التحيات والدعوات.
في هذا اليوم خطر لي أن أترحم على كل من رحل من جيراننا وأنا أنزل الدرج. كلٌ أمام باب بيته المغلق ففعلت ذلك وأنا أنزل ببطء وأتذكر كل الراحلين وتحضرني وجوههم بكامل ملامحها وهم يبتسمون لي وكأنني كنت قد رأيتهم بالأمس القريب.
ونزلت الدرج المعتم ونزلت على قلبي طمأنينة وسكينة لم أعهدهما من نفسي في مثل هذا الموقف من قبل اليوم.
لما قضيت شئوني عدت إلى البيت وأخذت أترحم مرة أخرى في صعودي الدرج على جيراننا الراحلين كلما مررت بأبوابهم المغلقة.
قالت لي أمي أطال الله في عمرها وهي يبدو عليها شعور بالسرور يخالطه شيء من الدهشة:
" أتعلم من اتصل بي يسأل عني وعن أحوالي وأنت خارج البيت ؟
إنها ابنة جيراننا النوبيون الذين يسكنون الدور الأرضي رحم الله أباها وأمها كانوا من أعز جيراننا وأشدهم طيبة وأوثقهم صلة بنا.
هي تسكن في مدينة ساحلية بعيدة مع عائلتها وهي أيضاً لم تتصل بي من قبل ولو لمرة واحدة ولكنها
قالت لي أنني قد خطرت ببالها اليوم فسارعت إلى الاتصال بي والإطمئنان علي"
ابتسمت لأمي فسألتني عن سر هذه الإبتسامة فحكيت لها ما كان من شأني عند خروجي من المنزل وعند رجوعي.
قلت في داخلي لعل ترحمي على والديها قد أسعدهما وآنس شيئاً من وحدتهما فأخطر الله ببال إبنتهما أن تؤنس وحدة والدتي في غيبتي.
" الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
لعل هناك بقايا منهم لاتزال خلف هذه الأبواب المغلقة.


Love this very much <3
ردحذف