عندما توفي الحاج رؤوف ترحمت عليه كثيراً ومازلت أفعل كلما تذكرته.
هو رجل بسيط يعمل في إصلاح هياكل السيارات. وحيداً في ورشته الصغيرة التي تقع في المنطقة الصناعية قريباً من حيث نقيم.
اعتقد جيرانه من أصحاب الحرف المماثلة في بادئ الأمر أنه مسيحي لأن معظم زبائنه الذين كانوا يترددون عليه عندما انتقل إلى جوارهم كانوا من المسيحيين الذين عرفوه عندما كان في ورشته السابقة. حتى أن كان منهم القساوسة الذين يأتون إليه مرتدين مسوحهم السوداء.
ويعلق الحاج رؤوف على ذلك وهو يبتسم :" أنا أعامل كل زبائني بأمانة ولا آخذ منهم إلا الأجر الذي استحقه مقابل ما أديت لهم من عمل لذلك يأتون إلي وقد تبعني الكثيرون منهم عندما انتقلت إلى هنا".
واحتار جيرانه كثيراً وهم مازالت ليست لديهم الجرأة أن يسألوه لأنهم لم يكونوا قد تعرفوا إليه بعد تعجبوا عندما رأوه يرتاد المسجد الصغير في نهاية الشارع ويذهب إليه عندما يسمع الآذان مباشرة تاركاً خلفه ورشته مفتوحة بكل أدواتها و السيارات التي يعمل على إصلاحها ولا يخشى فقدان أي شئ منها وكأنه قد أقام عليها رقيباً خفياً قبل أن يمشي نحو المسجد.
وكان الشاب الذي عرفنا على الحاج رؤوف صديقاً مقرباً من إبني "محمد" وكان الشاب يعتبر الحاج رؤوف والداً روحياً له ومعلماً مخلصاً تفضل عليه بتعليمه كل ما يتعلق بإصلاح السيارات التي هي هوايته المفضلة وكان يحبه كثيراً ويذهب سعيداً للعمل معه في ورشته أيام الإجازات ولم يبخل عليه الحاج رؤوف بالعلم الذي يعلمه. وكان هذا الشاب صديق إبني المقرب له مسيحياً.
كنت أزور الحاج رؤوف في ورشته المتواضعة من حين لآخر فأجده جالساً في صدر ورشته يقرأ القرآن واضعاً مصحفه الكبير فوق حاملٍ حديدي عالٍ يبدو من هيئته أنه صنعه بنفسه من بقايا حديدية توفرت له.
وذات مرة تبادلت معه الحديث حول آية من آيات القرآن فوجدته يحفظ كلماتها بطريقة خاطئة فلم أشأ أن أسبب له الحرج بأن أعدل عليه تلاوته فقلت له أنني لا أتذكر هذه الآية جيداً فأحضر مصحفه ووضعه على الحامل المخصص له وفتحه بيده الخشنة فإذا هو ينفتح أمامه على السورة التي فيها الآية التي ظهرت أمامه عينيه مباشرة بغير بحث ولا عناء وكأن الآية هي التي كانت تبحث عنه ووجدته. هنا عرفت أنه من قارئي القرآن المخلصين الذين يداومون على قراءته بشغف وحب صادقين. إذ أن هذا سر من أسرار القرآن وفتوحاته يُفتح به على أهله ولا يرزقه إلا القليلون.
وحكى لي مرة أن المسجد في الحي حيث يقيم كان في احتياجٍ إلى قفلٍ جديد لبابه فتطوع هو واشتراه على نفقته الخاصة. يومها شكره إمام المسجد ولكنه لامه لأنه اشترى قفلاً غالي الثمن وهو يعرف ضيق حاله في حين أن الرخيص منه كان سيؤدي نفس الغرض لكنه أجابه بأنه لا يبخل على بيت الله بمال الله. ويبتسم الحاج رؤوف مرة أخرى ابتسامته الطيبة وهو يقول: " كان ثمن القفل ثلاثون جنيهاً وفى نفس اليوم رزقني الله بعمل كسبت منه ثلاثمائة جنيهاً. والحسنة بعشر أمثالها".
عرفت وقتها كيف أن هذا الرجل البسيط في مظهره وعمله ومعيشته كان يراقب الله فيما يفعله وكيف يربط أحداث حياته وصلاحها بما يقدمه لنفسه من عمل صالح. وتعلمت منه كيف أراقب الله في كل أفعالي ومعاملاتي وأن أقيم نفسي في مقام المراقبة وأن ما يصيبني ليس إلا نتيجة أعمالي".
وتذكرت قول الفضيل بن عياضٍ رحمه الله تعالى :" أعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وخلق زوجتي وخادمي".
وتذكرت قول بن عطاء الله السكندري وهو يناجي ربه :" إلـهي إنْ أظهرتَ المحاسنَ مني فَبِفَضْلِكَ ولك المِنَّةُ عليَّ ، وإنْ ظَهَرَتْ المساوئ مني فَبِعَدْلِكَ ولكَ الحجةُ عليَّ ".
رحم الله الحاج رؤوف رحمة واسعة.
عاطف شوشه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق