الأربعاء، 30 يناير 2019

الدوائر المغلقة

 تحت المجهر أرى أعداداً هائلة من الدوائر المغلقة التي  تدور وتسير وتتصادم مسرعة صاعدة هابطة في  كل الإتجاهات. 



لا أفهم  كثيراً مما  يجري  أمامي.

أفرك عيناي  جيداً ثم أنظر مرة أخرى تتضح  الرؤية أكثر. يظهرلي بوضوح أن هناك  تباين هائل بين هذه الدوائر في الأحجام وفي الألوان أيضاً. 
هناك  دوائر من  كل القياسات. الكبيرة  والمتوسطة والصغيرة والكبيرة  جداً والمتناهية في الصغر. هناك  الدوائرمن  كل الألوان الزاهية والبراقة وكذلك الباهتة  والكالحة.  هناك أيضا الدوائرالنورانية التي  تنبثق منها أنوراً طاغية تضئ ما حولها أينما تمضي وأخرى مظلمة مغرقة في السواد. تختلف هذه الدوائر أيضاً في  درجة عتامتها فبعضها شفاف للغاية  ترى من خارجها ما بداخلها وبعضها معتم  تماماً لا تكاد ترى ماذا بداخلها.

أرهقتني هذه الدوائرالمغلقة وأنا أنظرإليها وأراقب حركاتها الدائمة المستمرة طول الوقت في جميع الإتجاهات فلا يمكنني أن أتنبأ في أي إتجاه ستكون حركتها أو يكون موقعها في اللحظة  التالية.

تغير الدوائر المغلقة من  ألوانها وأحجامها باستمرار بحيث يستحيل تتبع دائرة واحدة لفترة طويلة ومتابعة تطوراتها  مع التقدم في الزمن.

كل الدوائرالمغلقة لها عمر إفتراضي  ولكنه غير ثابت وليس  هناك  قاعدة  ما تحدد عمردائرة ما. تبدأ الدوائر حياتها الإفتراضية في الفراغ صغيرة جداً ولامعة جداً ثم تنمو تدريجياً وتصير براقة لفترة من  الزمن ثم تبدأ في الذبول وفي الأفول فيقل حجمها كثيراً قبل أن تذوي و تفقد جدارها الخارجي المحيط بها والذي يحمي أجزاءها الداخلية  فتتبعثر  تلك  الأجزاء في  الفراغ الكائن بين تلك الدوائر.  بعض هذه الأجزاء العالية  الكثافة يتداعى إلى الأسفل ويبقى في القاع البعيد والبعض الآخر نوراني يسري بسرعة إلى الأعلى  ويستمر  في الصعود حتى يختفي عن الأنظار.البقية الباقية منها تبقى معلقة في الفراغ.

تقتات معظم الدوائرالمغلقة على البقايا المتخلفة في القاع والبعض الآخر يقتات على البقايا العالقة في الفراغ. تمتص البقايا ببطء عن طريق الجدران. ما يصعد  للأعلى لا تدركه الدوائر المغلقة الأخرى ولا تستطيع أن تحيط  به.

بعض الدوائر المغلقة ينفتح  جدارها لفترة زمنية  صغيرة  تكفي لأن تلتهم دوائرأخرى أبطأ منها في الحركة فتفاجئها وتلتهمها إلى داخلها  وتضم  أجزائها الداخلية  إلى أجزائها فتكبر من  الداخل فيتمدد جدارها  الخارجي فيكبر حجمها الكلي.

قد  تتجمع   بعض  الدوائر المغلقة الزاهية  والبراقة حول إحدى الدوائر البطيئة  الحركة أو الباهتة أو المظلمة وتحيط  بها من كل جانب لتمنعها من الحركة في  أي  إتجاه  ثم  تبدأ في  فتح  جدرانها والتهام بعض أجزاء هذه  الدائرة الممنوعة من  الحركة  حتى تأتي  على  كل أجزائها  وتختفي تماماً من  تحت  المجهر.

تنتقل هذه الدوائر الملتهمة لتحيط بدائرة  أخرى لتبدأ في حصارها ثم  تلتهمها إلى النهاية. تستمر الدوائر المغلقة الملتهمة في عمليات الحصار والإلتهام حتى لا تحتمل جدرانها المزيد من الإلتهام فتنقسم مولدة العديد  من  الدوائر الملتهمة الجديدة.

الآن  أتفقد  دائرتي المغلقة يفاجأني أن جداري الحامي لأجزائي قد أصبح ضعيفاً ومتهالكاً  وأن  الظلمة تنتشر  في كل المحيط  الكائن من حولي.  أشعر  بالدوائر المغلقة  الملتهمة تزحف  نحوي وتحيط بي تبدأ جدرانها  القوية  في الإنفتاح نحو جدراني المتهالكة  تبدأ بالفعل في إلتهام بعضاً مني.  أشعر بالضعف الشديد يغمرني. أدرك أنني هالك  لا محالة  تخفت  أنواري تخور  جدراني  بأكملها وتتهدم تاركة  إياي عار تماماً من أي  أمل في الأمن. أحاول عبثاً الإحتماء بالدوائر النورانية  دون  جدوى  إذ  تبتعد عني ولا تلتفت لي تاركة إياي  فريسة سهلة للخذلان  والإلتهام. 
ثم  يبدأ الهجوم التدريجي والمنظم  على داخلي. يبدأ داخلي  في التداعي والإنهيار بعض مني يسقط في أقصى القاع حيث الظلمة الحالكةوالسواد والبعض الآخر يفر صاعداً إلى  الأعلى حيث النور والبريق الذي يغلفه  الضباب  والإبهام. البقية الباقية مني لا  تزال  قيد الإلتهام والذوبان في الآخرين المحاصرين  لي.

تبدأ الدوائر المغلقة الملتهمة في الإنسحاب والمغادرة من  حولي  وتبدأ في البحث عن فريسة أخرى لتحاصرها  وتلتهمها.

الآن  أدرك أنه  لم  يبق مني شئ ما يصلح  للإلتهام.  

أدرك أنه  لم يبق مني شئ  حي.



صلاة الشروق






إنتظرت في المسجد الصغير القريب من المنزل بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم شاغلاً نفسي بالدعاء وبأوراد الصباح المعهودة  متأخراً عمداً عن الوقت الذي إعتدت فيه مغادرة المسجد بعد الصلاة منتظراً وقت الإشراق  حسب التوقيت المحلي لأصلي  ولأول  مرة في  حياتي  ركعتي  الشروق. وقد كان أن صليت وخرجت  من المسجد شاكراً الله على توفيقه  إياي راجعاً كل الفضل  إليه عز وجل.    

وما أن خرجت من  باب  المسجد حتى وجدت الشاب الملتحي الذي صلى بنا صلاة الفجر في انتظاري ونور الصباح لم ينتشر بعد في  الخارج ليخبرني وبمنتهى الدماثة أنني قد صليت في وقت نهي وهذا لا يجوز وعندما أخبرته أنني كنت أصلي صلاة الشروق قال لي إن وقتها لا يبدأ عند  وقت  الشروق تماماً ولكن بعد وقت الشروق بقليل عندما يبلغ ظل الشمس مقدار رمح. شكرته وانصرفت عائداً للمنزل. وأنا أفكرها أنا ذا مرة أخرى يتدخل الرمح في توقيت صلاتي فلابد من وجود حكمة ما وراء ذلك.

يصر الكثيرون على أن هناك صلاة  نافلة قائمة  بذاتها تسمى صلاة الشروق.

وهولاء يستندون في   ذلك إلى حديث مشهور  يتم تداوله  بين  الناس وخاصة  على وسائل التواصل الإجتماعي .  ومن يرسلون هذه  الرسائل التي   تسمى الرسائل  الدينية  هم أنفسهم الذين  كانوا  يقفون أمام   أبواب المساجد في  السبعينيات  والثمانينيات  قبل إختراع الإنترنت وما تلاه وتبعه من برامج  شاعت تحت مسمى وسائل التواصل الإجتماعي. كانوا ينتظروننا عند خروجنا بعد  الصلاة في المسجد ليوزعوا علينا نسخاً  خطية من منشورات  دينية ما أن تصل إلى نهاية قراءتها حتى  تفاجأ بعبارات ملزمة لك بأن تقوم بنسخ هذا المنشور عشرة مرات وبأن  توزعها بدورك على عشرة أشخاص مع الوعيد الشديد بسوء العاقبة إن لم تفعل ذلك والتبشيربكل الخير إن إنصعت للأمر وقمت بدورك  بالنشر.  ولا أخفي عليكم أنني كنت  من الذين يأتمرون وينصاعون وينسخون وينشرون ومافعلت ذلك عن إقتناع ولكن  إيثاراً  للسلامة عسى أن يكون  الوعيد  أوالتبشيرأمراً صحيحاً  لا أعلمه لجهلي وقلة إطلاعي في الأمور الدينية. ولعل هذا هوالسبب  أنني لم تنهمرعلي العطايا والأخبارالسارة عندما  كنت   أفعل  ذلك بغيرإقتناع.   ولكنني أيضاً لم يصبني   أي سوء عندما  كنت لا أفعل. 

نعودإلى صلاة الشروق والحديث المشهورالذي يستند إليه هولاء والذي يقول: ( من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ). 

ولقد بحثت في صحة هذا الحديث لأجد بسهولة تامة وبدون أي مشقة تذكر أنه حديث مشكوك في صحته ويكفي أن "بن باز" قد صححه فقط لأنه روي من عدة طرق. 

ووجدت وبنفس  السهولة أيضاً أن صلاة الشروق  هي نفسها صلاة الضحى  قولاً واحداً والتي ذكرنا سابقاً  أن أفضل وقت لأدائها هو حين "ترمض الفصال" كما في الحديث الصحيح أي عندما تتوسط الشمس السماء. أما ظل الرمح فيلزم الشمس من الوقت ما  مقداره عشرون دقيقة لتصل  بظلها إلى هذا المقدار وهذا هو بداية وقت دخول صلاة الضحى. وبما أنني بفضل الله أصلي صلاة الضحي في وقت تفضيلها فأنا إذاً على صواب من أمري.




وكذلك يريد الله أن يعلمني  ويرشدني إلى ماهو صحيح من الدين لأنني كنت دائماً ما أشعر بشئ ما بداخلي يلومني في كل مرة أخرج فيها من المسجد بعد  صلاة الفجربدون أن أصلي صلاة الشروق وما صليت هذه المرة وما أتاني هذا الشاب إلا بإذن الله تعالى أذن لي لكي أصلي حتى يبين  لي أنني على صواب ويزيل ما كان يدور  بنفسي من عدم الرضا فلله المنة والفضل على ذلك وفي كل الأحوال ولتكن هذه هي المرة الأولى  التي أصلي فيها صلاة الشروق وتكون هي أيضاً  المرة الأخيرة.


"اللهم لا إله إلا أنت سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا".




 ومن أراد تفصيلاً أكثر لما  ذكرته فليدخل على الروابط التاليه :


http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&lang=A&Id=22560 

https://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=40227

https://mawdoo3.com/%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9_%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%82

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=6384


كتب  هذا المقال/  عاطف شوشه

الأحد، 6 يناير 2019

سفر الخروج

غاب ببصره للحظات قصيرة في الفراغ الواقع على يمين المسجد بالقرب من شجرة نحيلة تقاوم أوراقها الذبول أعواماً بلا فائدة. 
لحظات مرت كأنها دهراً طويلاً. 
لحظات إختزلت عمراً بأكمله.

كان قد أنهى صلاة جمعته وخرج من المسجد القريب من المنزل كعادته لأعوام مضت. عمال المسجد يتعجلون المصلين ليجمعوا الفرش خارج المسجد. في هذه البقعة كان يراه وهو ينهي صلاته. ينتظره قليلاً ليمضيا معاً يتجاذبان أطراف الحديث في مواضيع ليست بالهامة. قد ينصرف  كلاً منهما إلى منزله ولكن في معظم الأحيان كان يصعد معه إلى شقته ويشربان الشاي سوياً. بحركة تلقائية كان يلتف حوله وهما  يسيران ليستطيع سماعه جيداً إذ كان يعاني من ضعف في السمع في أذنه اليسرى منذ زمناً طويلاً.

هذه الجمعة على التحديد كان لا يمكنه أن يراه ولن يراه بعد ذلك أبداً وعلى الرغم من معرفته هذه الحقيقة معرفة اليقين فقد ظل للحظات ينظر إلى المكان  قرب الشجرة الذي  اعتاد أن يراه فيه. مد بصره إلى الطريق الترابي الطويل المؤدي إلى المسجد لعله يكون قد أنهى صلاته مبكراً ومضى ولم ينتظره  كما لم يفعل من قبل إلا نادراً. ولكنه لم يكن هناك أيضاً.

الحقيقة المؤلمة التي لم يعيها كاملة حتى الآن هي أنه قد شيعه بالأمس فقط إلى مثواه الأخير.  وافته المنية وقت إقامة صلاة الفجر. لم  ينفعه  النداء بأن يتماسك لعدة دقائق أخرى حتى يخرج المضطربين المحيطين به من حالة الذهول التي صدمتهم  ليعرفوا ماذا يجب  عليهم أن يفعلوا في اللحظة التالية. لم ينفعه الإسراع به إلى المستشفى القريب الذي رفض الطبيب بها استقباله لأنه كان قد  فارق الحياة قبل أن يصل إليها مع النصيحة بأن يعودوا به  إلى منزله كما أتوا به. لم ينفعه فزع المقربين حوله  أو بكاءهم. 

إنتهت طقوس خروجه  من الدنيا سريعاً جداً. ساعات قليلة وقضي الأمر كله وأصبح ذكرى بعد أن كان واقعاً. ما أسهل الخروج من  الحياة وما كان  أصعب الدخول إليها والعيش فيها. ما أسهل مفارقة  كل الأشياء التي نعتقد  أنها هامة جداً وعزيزة جداً مهما تشبثنا بها وتشبثت بنا. ما  أيسراستمرار الحياة بدوننا وما أسرع إنتظام حركتها وكنا نظن أنها ستتوقف بعدنا.

لحظات قصيرة إختزلت عمر إنسان بأكمله وأكدت أن  ذلك  الفراغ سوف يظل فراغاً  للأبد.

كان الطقس بارداً جداً خارج المسجد على غيرعادته. أحس برعشة تسري في جسده. حول بصره والتفت ببطأ شديد. 

غادر المكان ومضى وحيداً.






الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

أنا الشاعر



اليوم مات شاعر

اليوم مات في إحدى جنبات العالم شاعر 


هل تعرف كيف يموت الشاعر؟

الشعراء لا يموتون إذ تصعد أرواحهم إلى السماء
الشعراء لا يموتون عندما تهجرهم المحبوبة
الشعراء يموتون قبل أن يموتوا
يموتون حين تموت زهرة في الحديقه 
يموتون حين يغيب القمر من السماء والنجوم
يموتون في نهاية كل قصيدة لا تقرأها المعشوقة
يموتون حين يموت شاعر مجهول في أرض مجهولة
يموتون حين يهجر طائر حزين وطنه إلى بلاد غريبة
الشعراء يموتون عندما يهجرهم الشعر






عندما يكف الشاعر عن التنقل  من غصن إلى غصن ومن زهرة إلى أخرى ويظل يشدو لزهرة واحدة يصيبه الملل ويزعجه تكرار الأوصاف والكلمات. تذبل عنه  الزهرة فيكف عن الغناء ويصمت الشعر ويموت الشاعر.



ليس كل شاعر يكتب شعراً و ليس كل من يكتب الشعر شاعراً. 

الشاعر شخص يشعر بدفء وعمق شديدين سواءاً كتب الشعر أم لم يكتبه.


اليوم إنتقص من العالم إحساس وشعور لن يكتملا أبداً مرة أخرى إلا بمولد شاعر آخر. ميلاد الشعراء أصبح حدثاً نادرا. الشعراء لا يتكاثرون وإنما ينبتون فرادى من بطن الأرض. 



أن تولد شاعراً . . تبكي عليك الدنيا قبل أن تولد.

أن تنثر فوق جبين الأرض الشعر
أن تقف طويلاً تحت المطر
أن  يغلبك النوم في ضوء القمر
أن تكتب عمرك أبياتا
أن لا تقرأمحبوبتك الشعر




النهار والشعر نقيضان لا يلتقيان

الشعر والليل عاشقان لا يفترقان


عندما تتلعثم الكلمات في قلم الشاعر

عندما ينحبس الشعر في صدر الشاعر
يبدأ بالذبول و الإنحناء كنبتة عطشى منع عنها الماء
يبدأ السقم السريان في أنحاء حياته
ينذر الفجر  بقرب  فراق جديد
بقرب فقد جديد
بنقص في الكون جديد
ينذر بموت شاعر ما في مكان ما


ذهول

لا تسألني من أنا 
أنا الشاعر
فلا تسألني من أنا
إن أردت أن تعرفني
فتش عني في قصائدي
التي لم تقرأ أبدا
إن أردت أن تلقاني
إبحث عني في دواويني
التي لم تنشر أبدا

لا تسألني كم قصيدة نظمت
آلاف الصفحات قد سودت
آلاف الأقلام  فنيت
آلاف الأوراق  قد مزقت
آلاف الكتب محوت
آلاف القصائد قد بدأت 
مذ كنت صبياً ووعيت
قصائد في الـثـورة و الجـنس بدأت
قصائد في الفـرقـة في العشق بدأت
قصائد في الفـقـه وفي الفسق بدأت
قصائد في الحـب وفي السحر بدأت
قصائد في الحـكمة في المـلـل بدأت
لا تسـألنـي كــم قـصـيـدة أتمـمـت
فـلـن تـجـد عـنـدي غـيـر الصمت
فما من أي قصيدة بدأت قد أتممت


إفـاقـة

الوقت يداهم الشعراء
العمر يسابق الشعراء
مهلاً أيها الوقت
رويدك أيها العمر
فما زلت في بداية القصيدة
لا زلت في فقرة الأطلال 
أبكي دياراً ومنازل مهجوره
لا زلت في فقرة النسيب 
أتغزل في حسن المحبوبه
لم تكتمل قصيدتي بعد
لم أحكِ بعد فتوحاتي
لم أروِ بعد خروقاتي
ما زلت أفكر . .
من أي الأوزان سأنظمها
ما زلت أفكر. . 
كم بيتاً أبنيها
ما زلت أفكر. .  
في أي الأغراض سأنشدها
ما زلت أفكر. . 
أي حكاية أحكيها
فلينتظر القراء على الأبواب طويلا
ماذا يهم . . 
مادام الليل مديدا
ماذا يهم . . 
مادام الفجر بعيدا
ماذا يهم . . 
مادام في العمر بقيه
وأنا لا زلت أفكر
كيف سأنهي أي قصيدة
. .
. .


عاطف شوشه

السبت، 28 أكتوبر 2017

ويبقى الكتاب مفتوحاً نحو السماء



كانت الشمس قد مالت للمغيب وقد أخذ السكون يلف الأشياء إذ هدأت حركة الأحياء ترقباً لدخول الظلمة وكأن دخولها هذه الليلة ليس عادة أبدية أزليه

سكنت أوراق الأشجار وهجعت الطيور في أعشاشها فوق الأغصان وهي تضم صغارها بأعين مفتوحة لم يستطع أن يغلبها النعاس بعد وكأنها تنتظر حدثاً مريباً سوف
يأتي لا محالة



وكعادته الليلية بدأ جاهداً يقرأ ورده اليومي المعتاد من القرآن في مصحفه القديم متوسلاً بنظارته الطبية السميكة وقد بلغ منه الكلل والوهن مبلغه. أخذ يقرأ ويقلب الصفحات غير عابئ بعامل الزمان من حوله. وكلما خفت ضوء الشمس وهي راحلة تسعى وراء الأفق إزدادت الأحرف أمام عينيه إزدهاراً وتألقاً. وهو يستمر في القراءة رغم هبوط الظلام وزحف العتمة على كل الأشياء من حوله

كلما إزدادت العتمة زاد الإشراق
كلما أوغلت الظلمة إنبثق النور

لاح شيطان كالطيف فوق كتفه الأيسر واختفى بسرعة داخل رأسه. كل من أخلصت في حبهم  خانوك. كل أصدقاء عمرك تنكروا لك عندما كنت في أمس الحاجة إليهم. كل من أحسنت إليهم وعطفت عليهم أساؤوا إليك. أفنيت حياتك تسعى خلف الأوهام ولم يبق من عمرك ما يكفي من الوقت ولا الجهد لتبدأ البحث من جديد عن الحقيقة.  والبيت الذي بنيته فوق السحاب واهنٌ ملئٌ بالشراك كبيت العكنبوت

يتشبث بكتابه ويستمر في القراءة رغم مهاجمة الأفكار السوداء

قفز شيطان  ثان أمام عينيه لف ودار حول الكتاب المفتوح فوق فخذيه ولكنه لم يلتفت إليه واستمر في القراءة بشغف عظيم.  لوح الشيطان بذراعيه في الهواء وتلقف بيديه كرتين متوهجتين من النار. أدخل الكرتين على الفور في مفصلي ركبتيه فاشتعلتا في الحال. إهتز الكتاب قليلاً ولكنه لم يسقط

لم ينتبه كثيراً إلى ما حدث رغم الألم المبرح واستمر في القراءة بنشاط على الرغم من الأفكار السوداء والإشتعال

والأحرف أمام ناظريه تزداد بهجة وسعاده

أِسْتُدعي شيطان آخر. وبعد أن عبر من خلاله عدة مرات جيئةً وذهاباً أخرج من جعبته مطرقة حديدية هائلة وجاء من خلفه وتلمس الفقرة التالفة في عموده الفقري وأخذ يطرق فوقها مباشرة بكل قوة ومهارة

أثاره ما حدث للحظة قصيرة ولكنه استمر في التلاوة على الرغم من الأفكار السوداء والإشتعال والطرق

كلما إزداد الألم إزدادت الأحرف نوراً وازداد الكتاب لطفاً وإشراقاً

ظهر شيطانان آخران يحملان منشاراً لقطع الأشجار وبدءا عل الفور عملهما بهمة وحيوية أسفل رأسه مباشرة. إهتزت رأسه قليلاً ثم عادت لإتزانها واستمر في إستغراقه في القراءة رغم الأفكار السوداء و الأشتعال والطرق والنشر

كلما إزداد الألم زالت الحجب وتعرت الأحرف وانكشفت الكلمات عن معانيها المستترة

شيطان آخر أمسك مثقاباً وأخذ يحدث الثقوب العميقة واحداً تلو الآخر في عظام الرأس الصلبة

أستمر في القراءة رغم الأفكار السوداء والإشتعال والطرق والنشر والثقب

الآن صارت الضوضاء واقعاً لا يحتمل والألم الجسدي ليس له نظير يعجز عن تحمله البشر وتعجز عن وصفه الكلمات

فجأة تهدأ كل الأصوات
تسكن كل الأوجاع والآلام
تغادر جميع الشياطين
تغلق العينان المفتوحتان
تنتشر الراحة والطمأنينة في أرجاء الجسد الواهن
ترتسم على الوجه إبتسامة أخيرة
ويغادر شيئا ما

ويبقى الكتاب مفتوحاً نحو السماء









كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه












السبت، 26 أغسطس 2017

فقدنا واحداً آخر


" فقدنا واحداً آخر"


همس في أذني بهذه الكلمات بصوت خفيض وهو يتساءل في شك كبير "هل سيمكننا أن نستمر بعد ذلك ؟ "




فُقدنا واحداً آخر بهذه الكيفية يعني أنه وبطريقة مفاجئة أصبحت هناك فجوة هائلة في السياج الآمن الذي يحيط بنا والذي أحتمينا بداخله لسنوات عديدة منذ عانينا من الفقد السابق.



أصبحنا مكشوفين بلا حماية فعلية. من خلال هذه الفجوة أصبحنا معرضين لأي هجوم خارجي  قد يزيد من حالة عدم الإتزان التي نعيشها الآن. أصبحنا مكشوفين مثل جرح حديث ينزف ولم يتم تطهيره أو حتى تغطيته يزيد وهج الشمس من ألم الإحساس به.



نعيد الإصطفاف جنباً إلى جنب محاولين ملأ هذه الفجوة ولكن دون جدوى. نكتشف أن أحجامنا الفعلية قد تضاءلت وانكمشت كثيراً عما كنا نعتقد. لا نذكر آخر مرة حاولنا فيها الإصطفاف معاً.



في رحلة الفقد التي امتدت على مدى سنين طويلة انقسمنا في كل مرة إلى ضجيجيين وصامتين. قد ينقلب الضجيجيون من شدة ضجيجهم إلى صامتين. وقد ينقلب الصامتون بعد طول صمتهم إلى ضجيجيين. البعض نفقدهم أثناء عملية الإنقلاب المؤلمة هذه إذ لا يتحملون آلآم الإنقلاب.


أعرف أن الحقيقة الكبرى أذهلتنا جميعاً  لا لإننا إكتشفنا أنها رغم هيبتها وعظمتها هي أبسط كثيراً من أن نتظاهر بأننا لا نفهمها. ولكن لإنها فاجئتنا كعادتها دائماً  واختارت هي الزمان والمكان من حيث كنا لا نتوقعها. الحقيقة الكبرى أقرب إلينا مما نحاول أن نصوره لأنفسنا. في كل مرة نتظاهر بالتغافل عنها يفاجئنا أن نعرف أنها تصاحبنا كل الوقت.



سرنا به مسرعين أو بالأحرى بالبقية الباقية الساكنة منه إلى حيث الظلام الدامس والمجهول. هذا الظلام نفسه الذي غيب الكثيرين ممن فقدناهم قبله بنفس الطريقة تماماً.
لا أعرف لماذا كنا متعجلين على هذا النحو رغم الطقوس الطويلة والتفاصيل الكثيرة الصعبة التي مررنا بها هذا اليوم وأرهقتنا كثيراً. 

ربما كنا متعجلين لأن بعضه الذي بين أيدينا يريد أن يلحق ببعضه الذي رحل متعجلاً.




مقابرنا مفتوحة لاستقباله


ضربات من معول صدئ.
حفرة عميقة سوداء.
قطع حجرية   ثقيلة.
رشات  من   الماء.
نبتة   صبار  جافه.

لا إسم هناك ولا عنوان.

وأخيراً إنتهى كل شئ. 
تمتم البعض منا بعبارات مبهمة وهو ينفض عن نفسه الغبار الذي ملأ المكان.
تلى أحدهم كلمات نورانية.
تبادل الكثيرون منا بعض العبارات الحزينة.
ومضى الجميع كل إلى وجهته ولم ينظر خلفه.

وبقي السؤال الحائر "هل سيمكننا أن نستمر بعد ذلك ؟ "





السبت، 6 مايو 2017

في اليابان




تقابلنا نحن الثلاثة بدون سابق ترتيب في أبعد مكان وصلت إليه حتى الآن. تقابلنا في اليابان. أنا أول الثلاثة وشاب فلسطيني مهاجر إلى كندا وشاب كوري أعتقد أنه يسافر لأول مرة خارج موطنه كما يبدو من تصرفاته.


جمعتنا شركة يابانية في بلدة بعيدة عن طوكيو إسمها "جاماجوري" بغرض التدريب على صيانة بعض الأجهزة الطبية الجديدة.



في عطلة نهاية الإسبوع إعتادت الشركة أن تكلف أحداً من منسوبيها أن يرافقنا في رحلة ترفيهية خارج المدينة. كان من الواضح هذه المرة أنهم لم يجدوا من يرافقنا من قسم الصيانة  الذي نتدرب فيه فلجأوا إلى البحث خارجه ولم يجدوا غير فتاة من المصنع إسمها "فوك وي". قال لنا المهندس الذي يقوم بتدريبنا أنها سوف تأتي بعد قليل للتعرف علينا.




إلتفت إلى صديقي الفلسطيني وقلت له بخبث شديد "سنرى من التي ستأتي. إذا كانت هذه ال "فوك وي" قبيحة كما هوالحال مع كثير من اليابانيات اللاتي قابلنهن فسوف أعتذر عن الخروج معكم".



قلت هذا وأنا أتذكر كاتبنا الكبيرأنيس منصور وهو يحكي لنا عن زيارته لليابان في كتابه الشهير الممتع "حول العالم في 200 يوم" والذي يحاكي فيه كتاب "حول العالم في 80 يوم" للروائي الفرنسي "جول فيرن". كان أنيس منصور كما يروي لنا في ضيافة إحدى بنات الجيشا وكانت دميمة وكان الطقس بارداً جداً فتذكر مقطعاً جميلاً من أغنية لأم كلثوم تقول فيها "واحنا معانا بدر طالع في ليلة قدر" وأخذ يغنيها بالعربية لمرافقيه ممن يتكلمونها ولكن بعد تعديلها لتناسب الموقف فغناها كاتبنا "واحنا معانا قرد طالع في ليلة برد".





رضخت للأمر الواقع وقبلت الخروج مع "فوك وي" رغم أنها أشبهت تماماً الجيشا التي وصفها أنيس منصور.

مرت علينا في الفندق صباحاً بدراجتها الهوائية وسرنا معها حتى محطة القطار القريبة. ركبنا نحن الأربعة القطار لا يعلم ثلاثتنا إلى أي وجهة نتجه. نزلنا عند إحدى المحطات لنركب قطاراً آخر ولكن في إتجاه مغاير. إشترت لنا مرافقتنا بعض الشطائر على سبيل الإفطار و أكملنا طريقنا مستقلين القطار الآخر. نزلنا معها في إحدى المحطات وتوجهت بنا إلي معرض للأحياء المائية. كان المعرض جميلاً ولكن صديقي الفلسطيني لم يعجبه وأبدى إستياءه علانية لقضاء هذا الوقت الطويل نراقب أسماكاً كلها متشابهة. عند باب الخروج كانت هناك فتاة يابانية أنيقة تنحني لكل شخص يغادر المكان وتقول له بالإنجليزية شكراً. حاولت التهكم على هذه الوظيفة الهامة فنظرت إلي "فوك وي" نظرة غاضبة وقالت أن هذه الوظيفة مهمة بالفعل.

لاحظت أنا وصديقي أن الشاب الكوري معجب جداً بمرافقتنا اليابانية حتى أنه كان شبه ملتصق بها في كل خطواتها. وأخيراً وجدت أنا وصديقي مادة ممتعة جداً للسخرية والتندر على تصرفات هذا الشاب الآسيوي الذي أخذنا نراقبه باقي الرحلة حتى أنه كان يسابقنا لركوب القطار حتى يجلس بجانبها ونستغرق نحن في الضحك ونحن نتظاهر بأننا نسابقه إليها.



كانت محطتنا التالية هي مكان على المحيط حيث يقوم الإخصائيون بزرع اللؤلؤ ويقومون أيضاً بتوضيح عملي للزوار أمثالنا كيف تجري هذه العملية الدقيقه خطوة بخطوة. عند خروجنا كان يوجد في الجوار دكاناً يبيع اللؤلؤ فاشتريت واحدة مع سلسلة ذهبية هدية لزوجتي الحبيبة.


عندما وصلنا إلى محطتنا الأخيرة كانت هناك أفواجاً كثيرة من البشر تسير معنا في نفس الإتجاه إلى غابة واسعة في آخرها ستائر عالية بيضاء وعندما سألت ما الذي خلف تلك الستائر والذي تكبدنا كل هذا الجهد للوصول إليه؟ جائتني إجابة مبهمة مفادها إنه الرب الذي يعبده اليايانيون متواجد خلف هذه الستائر.


في إحدى محطات القطار في طريقنا للعودة كانت فترة انتظار القطار التالي تقارب الساعة وهناك إختفت مس "فوك وي" وكذلك صديقنا الكوري وبدأ الشك والضحك عما يمكن أن يكون يدور بينهما الآن وأين يختفيان. ظهرا معاً قبل وصول القطار بدقائق قليلة.



عندما وصلنا إلى جاماجوري آخر اليوم وعند باب الفندق فاجأتنا مس "فوك وي" بأن أعطت كل واحد منا هدية تذكارية إشترتها على نفقتها الخاصة. وكان هذا هو سر إختفائها في محطة القطار في طريق العودة. كانت تشتري لنا الهدايا. أحسست أنا وصديقي بالخزي لأفكارنا الشريرة تجاهها وتهكمنا عليها طوال الرحلة.


ركبت دراجتها و انحنت برأسها تحيينا وهي تمر بنا مودعة بعد هذا اليوم الطويل الذي أدت فيه واجبات المهمة التي أسندت إليها على أكمل وجه.