الاثنين، 4 فبراير 2019

مجاذيب الحسين


لي علاقة وثيقة بحي بسيدنا الحسين.





ففيه بيت جدي وجدتي رحمهما الله  القديم في حارة عليش في أم الغلام والذي سكنته إحدى خالاتي رحمها الله أيضاً لفترة طويلة وتسكنه الآن إبنتها مع أسرتها. وحارة عليش حارة غير  نافذة أي "حارة سد" آخرها هذا البيت الذي كان يسكنه جدي مع عائلته  وكان أمام هذا البيت, البيت المعروف ببيت الهندي وكانت له حديقة تزرع بأشجارالجوافة  كما تقول والدتي أطال الله في عمرها. وعلى ناصية  حارة عليش كانت  حارة الأباظية وكان  هناك  بيتهم  أيضاً وكان منهم نواب معروفون في مجلس الأمة وكانوا يقيمون السرادقات هناك أيضاً  لأغراض سياسية. وفي هذا الحي أيضاً  البيت الجديد الذي انتقلت إليه العائلة المكونة من جدي وجدتي وخمسة من البنات هن والدتي وخالاتي والذي تسكنه إحدى الحفيدات الآن. وهذا البيت كائن في شارع "حبس الرحبة" في الجمالية أمام مسجد سيدي "مرزوق الأحمدي" مباشرة.

وكان سبب إنتقال جدي وعائلته من الأسكندرية إلى القاهرة مروراً بكفر الشيخ هو قيام الحرب العالمية الثانية كما تحكي والدتي.


وبين البيتين قضيت جزءاً غير قليل من طفولتي . وهناك أيضاً الشقة التي  كان يستعملها جدي مقراً لعمله في شارع الأزهرفي عمارة "بنزايون".  وكم صليت في جامع الأزهر صلاة الجمعة مع جدي وكنا نمرأحياناً كثيرة من ممر خلفي ينفذ من جانب مدخل عمارة بنزايون وصولاً إلى داخل مسجد "أبي الدهب" محيين عم "رجب" البواب النوبي الأصيل.



وكان يوم  الجمعة هو يوم تجتمع فيه كل العائلة في بيت جدي رحمه الله حيث نتناول وجبة الغداء سوياً ثم نقضي بقية اليوم كله في حكايات عائلية لا تنتهي ولا نغادر الحي إلا بعد صلاة العشاء.




وكنت في الأجازات الصيفية أقضي أياماً في بيت جدي وكنت أصلي معظم الفروض في مسجد مولانا الحسين. وفي هذا المسجد كانت أولى مشاهداتي لما إعتدنا أن نسميهم  "مجاذيب الحسين" وكنت أرتاب كثيراً من أحوالهم وأنا طفل صغير. كانوا يجوبون المسجد والطرق المحيطة به وبعضهم يلبس الملابس الغريبة ذات اللون ألأخضر الذي يغلب وجوده في أضرحة الصالحين ويضع بعضهم العمامة البيضاء أوالخضراء ويتحلى بعضهم بالأشرطة والنياشين والسبح الطويلة الملونة وهم في هذه الأزياء الغريبة لايلتفتون إلينا كثيراً وقد لا يشعرون بوجودنا على الإطلاق فهم في حال غير الحال.


لم أفهم معني كلمة "مجذوب" هذه إلا مؤخراً وأنا أستغرق في القراءة في كتب أخبار المتصوفين وتجلياتهم الشعرية وفي كتب وأبحاث علوم التصوف . فكلمة "مجذوب" هي إسم مفعول من الفعل "جذب" والشخص المجذوب هو الذي جذبه الله إليه جذباً فهو مجذوب.


والفرق بين المجذوب والسالك هو أن المجذوب قد جذبه الله إليه من غير عمل ولا تدبير من ذاته من باب القدرة كن فيكون أما السالك فهو من أخذ نفسه بالصبر والمجاهدة ومشى الطريق من أوله وترقى في المقامات بفضل الله حتى أصبح من العارفين. فنهاية السالك هي بداية المجذوب.

وفي يوم مولد سيدنا الحسين ومن شرفة بيت خالتي المطل على حارة عليش كنا نراقب حلقات الصوفية في الطريق وعلى الأسطح المجاورة والمجاذيب بداخلها يتمايلون مع الذكر يميناً ويساراً. في بداية الأمر يكون تمايلهم بطيئاً ولطيفاً ثم يزداد ويشتد شيئاً فشيئاً حتى يتحول إلى إنحناءات عنيفة يفقد فيها المجذوب قدرته على التحكم في ذاته ويذهل عما حوله مستغرقاً في إسم من أسماء الله الحسنى يكرره بلسانه تكراراً متزامناً مع حركاته التي صارت  قوية لا إرادية ويكون هذا الإسم في هذه الحالة قد ملك عليه جميع مشاعره وجوارحه فهو في هذه الحالة لا يملك من أمره شيئاً.  وكنا نراقبهم بشغف من الشرفة  في إنتظار ما سيحدث وما نعرفه من سابق مشاهدتنا لحلقات الذكر المحمومة هذه ونحاول أن نسبق الحدث ونتوقع مَن مِن الذاكرين المتمايلين سيسقط أولاً من شدة الوجد حين لا يحتمل الجسد الفاني حالة الوصال الإلهي.  



ولا أدري من أين جاء الخلط بين كلمتي المجاذيب والمجانين حتى يقال مستشفى المجاذيب بدلاً من مستشفى المجانين. هل هو التقارب اللفظي الذي سبب هذا الخلط أم هوغرابة أحوال كل من المجذوب والمجنون ما جعل العامة بل والخاصة أيضاً يخلطون بين أحوالهم.

ولكن المؤرخ ابن خلدون يقول : " المجذوب : هو من لا وظيفة له ، فإنه عندهم الصوفية المختطف عند المطلع ، مثل بهلول وغيره من مجانين أهل السلوك ، وهو فاقد لعقل التكليف أبداً ولم تبق له وظيفة ، إذ الوصول قد حق ، والوظائف إنما هي وسائل للوصول ، وهذا المجذوب الذي قد وصل ، وشاهد الأنوار ، وجذب عن نفسه وعقله ، فهو لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولا النقل ، إنما هو سابح دائماً في بحر المعرفة والتوحيد ، مختطف عن الحس والمحسوس ".

ويقول السيد محمود أبو الفيض المنوفي  : 

" المجذوب هو من جذبته شوارق الجمال وأيقظته بوارق الجلال ".



كتب هذا المقال/ عاطف شوشه

الأربعاء، 30 يناير 2019

الدوائر المغلقة

 تحت المجهر أرى أعداداً هائلة من الدوائر المغلقة التي  تدور وتسير وتتصادم مسرعة صاعدة هابطة في  كل الإتجاهات. 



لا أفهم  كثيراً مما  يجري  أمامي.

أفرك عيناي  جيداً ثم أنظر مرة أخرى تتضح  الرؤية أكثر. يظهرلي بوضوح أن هناك  تباين هائل بين هذه الدوائر في الأحجام وفي الألوان أيضاً. 
هناك  دوائر من  كل القياسات. الكبيرة  والمتوسطة والصغيرة والكبيرة  جداً والمتناهية في الصغر. هناك  الدوائرمن  كل الألوان الزاهية والبراقة وكذلك الباهتة  والكالحة.  هناك أيضا الدوائرالنورانية التي  تنبثق منها أنوراً طاغية تضئ ما حولها أينما تمضي وأخرى مظلمة مغرقة في السواد. تختلف هذه الدوائر أيضاً في  درجة عتامتها فبعضها شفاف للغاية  ترى من خارجها ما بداخلها وبعضها معتم  تماماً لا تكاد ترى ماذا بداخلها.

أرهقتني هذه الدوائرالمغلقة وأنا أنظرإليها وأراقب حركاتها الدائمة المستمرة طول الوقت في جميع الإتجاهات فلا يمكنني أن أتنبأ في أي إتجاه ستكون حركتها أو يكون موقعها في اللحظة  التالية.

تغير الدوائر المغلقة من  ألوانها وأحجامها باستمرار بحيث يستحيل تتبع دائرة واحدة لفترة طويلة ومتابعة تطوراتها  مع التقدم في الزمن.

كل الدوائرالمغلقة لها عمر إفتراضي  ولكنه غير ثابت وليس  هناك  قاعدة  ما تحدد عمردائرة ما. تبدأ الدوائر حياتها الإفتراضية في الفراغ صغيرة جداً ولامعة جداً ثم تنمو تدريجياً وتصير براقة لفترة من  الزمن ثم تبدأ في الذبول وفي الأفول فيقل حجمها كثيراً قبل أن تذوي و تفقد جدارها الخارجي المحيط بها والذي يحمي أجزاءها الداخلية  فتتبعثر  تلك  الأجزاء في  الفراغ الكائن بين تلك الدوائر.  بعض هذه الأجزاء العالية  الكثافة يتداعى إلى الأسفل ويبقى في القاع البعيد والبعض الآخر نوراني يسري بسرعة إلى الأعلى  ويستمر  في الصعود حتى يختفي عن الأنظار.البقية الباقية منها تبقى معلقة في الفراغ.

تقتات معظم الدوائرالمغلقة على البقايا المتخلفة في القاع والبعض الآخر يقتات على البقايا العالقة في الفراغ. تمتص البقايا ببطء عن طريق الجدران. ما يصعد  للأعلى لا تدركه الدوائر المغلقة الأخرى ولا تستطيع أن تحيط  به.

بعض الدوائر المغلقة ينفتح  جدارها لفترة زمنية  صغيرة  تكفي لأن تلتهم دوائرأخرى أبطأ منها في الحركة فتفاجئها وتلتهمها إلى داخلها  وتضم  أجزائها الداخلية  إلى أجزائها فتكبر من  الداخل فيتمدد جدارها  الخارجي فيكبر حجمها الكلي.

قد  تتجمع   بعض  الدوائر المغلقة الزاهية  والبراقة حول إحدى الدوائر البطيئة  الحركة أو الباهتة أو المظلمة وتحيط  بها من كل جانب لتمنعها من الحركة في  أي  إتجاه  ثم  تبدأ في  فتح  جدرانها والتهام بعض أجزاء هذه  الدائرة الممنوعة من  الحركة  حتى تأتي  على  كل أجزائها  وتختفي تماماً من  تحت  المجهر.

تنتقل هذه الدوائر الملتهمة لتحيط بدائرة  أخرى لتبدأ في حصارها ثم  تلتهمها إلى النهاية. تستمر الدوائر المغلقة الملتهمة في عمليات الحصار والإلتهام حتى لا تحتمل جدرانها المزيد من الإلتهام فتنقسم مولدة العديد  من  الدوائر الملتهمة الجديدة.

الآن  أتفقد  دائرتي المغلقة يفاجأني أن جداري الحامي لأجزائي قد أصبح ضعيفاً ومتهالكاً  وأن  الظلمة تنتشر  في كل المحيط  الكائن من حولي.  أشعر  بالدوائر المغلقة  الملتهمة تزحف  نحوي وتحيط بي تبدأ جدرانها  القوية  في الإنفتاح نحو جدراني المتهالكة  تبدأ بالفعل في إلتهام بعضاً مني.  أشعر بالضعف الشديد يغمرني. أدرك أنني هالك  لا محالة  تخفت  أنواري تخور  جدراني  بأكملها وتتهدم تاركة  إياي عار تماماً من أي  أمل في الأمن. أحاول عبثاً الإحتماء بالدوائر النورانية  دون  جدوى  إذ  تبتعد عني ولا تلتفت لي تاركة إياي  فريسة سهلة للخذلان  والإلتهام. 
ثم  يبدأ الهجوم التدريجي والمنظم  على داخلي. يبدأ داخلي  في التداعي والإنهيار بعض مني يسقط في أقصى القاع حيث الظلمة الحالكةوالسواد والبعض الآخر يفر صاعداً إلى  الأعلى حيث النور والبريق الذي يغلفه  الضباب  والإبهام. البقية الباقية مني لا  تزال  قيد الإلتهام والذوبان في الآخرين المحاصرين  لي.

تبدأ الدوائر المغلقة الملتهمة في الإنسحاب والمغادرة من  حولي  وتبدأ في البحث عن فريسة أخرى لتحاصرها  وتلتهمها.

الآن  أدرك أنه  لم  يبق مني شئ ما يصلح  للإلتهام.  

أدرك أنه  لم يبق مني شئ  حي.



صلاة الشروق






إنتظرت في المسجد الصغير القريب من المنزل بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم شاغلاً نفسي بالدعاء وبأوراد الصباح المعهودة  متأخراً عمداً عن الوقت الذي إعتدت فيه مغادرة المسجد بعد الصلاة منتظراً وقت الإشراق  حسب التوقيت المحلي لأصلي  ولأول  مرة في  حياتي  ركعتي  الشروق. وقد كان أن صليت وخرجت  من المسجد شاكراً الله على توفيقه  إياي راجعاً كل الفضل  إليه عز وجل.    

وما أن خرجت من  باب  المسجد حتى وجدت الشاب الملتحي الذي صلى بنا صلاة الفجر في انتظاري ونور الصباح لم ينتشر بعد في  الخارج ليخبرني وبمنتهى الدماثة أنني قد صليت في وقت نهي وهذا لا يجوز وعندما أخبرته أنني كنت أصلي صلاة الشروق قال لي إن وقتها لا يبدأ عند  وقت  الشروق تماماً ولكن بعد وقت الشروق بقليل عندما يبلغ ظل الشمس مقدار رمح. شكرته وانصرفت عائداً للمنزل. وأنا أفكرها أنا ذا مرة أخرى يتدخل الرمح في توقيت صلاتي فلابد من وجود حكمة ما وراء ذلك.

يصر الكثيرون على أن هناك صلاة  نافلة قائمة  بذاتها تسمى صلاة الشروق.

وهولاء يستندون في   ذلك إلى حديث مشهور  يتم تداوله  بين  الناس وخاصة  على وسائل التواصل الإجتماعي .  ومن يرسلون هذه  الرسائل التي   تسمى الرسائل  الدينية  هم أنفسهم الذين  كانوا  يقفون أمام   أبواب المساجد في  السبعينيات  والثمانينيات  قبل إختراع الإنترنت وما تلاه وتبعه من برامج  شاعت تحت مسمى وسائل التواصل الإجتماعي. كانوا ينتظروننا عند خروجنا بعد  الصلاة في المسجد ليوزعوا علينا نسخاً  خطية من منشورات  دينية ما أن تصل إلى نهاية قراءتها حتى  تفاجأ بعبارات ملزمة لك بأن تقوم بنسخ هذا المنشور عشرة مرات وبأن  توزعها بدورك على عشرة أشخاص مع الوعيد الشديد بسوء العاقبة إن لم تفعل ذلك والتبشيربكل الخير إن إنصعت للأمر وقمت بدورك  بالنشر.  ولا أخفي عليكم أنني كنت  من الذين يأتمرون وينصاعون وينسخون وينشرون ومافعلت ذلك عن إقتناع ولكن  إيثاراً  للسلامة عسى أن يكون  الوعيد  أوالتبشيرأمراً صحيحاً  لا أعلمه لجهلي وقلة إطلاعي في الأمور الدينية. ولعل هذا هوالسبب  أنني لم تنهمرعلي العطايا والأخبارالسارة عندما  كنت   أفعل  ذلك بغيرإقتناع.   ولكنني أيضاً لم يصبني   أي سوء عندما  كنت لا أفعل. 

نعودإلى صلاة الشروق والحديث المشهورالذي يستند إليه هولاء والذي يقول: ( من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ). 

ولقد بحثت في صحة هذا الحديث لأجد بسهولة تامة وبدون أي مشقة تذكر أنه حديث مشكوك في صحته ويكفي أن "بن باز" قد صححه فقط لأنه روي من عدة طرق. 

ووجدت وبنفس  السهولة أيضاً أن صلاة الشروق  هي نفسها صلاة الضحى  قولاً واحداً والتي ذكرنا سابقاً  أن أفضل وقت لأدائها هو حين "ترمض الفصال" كما في الحديث الصحيح أي عندما تتوسط الشمس السماء. أما ظل الرمح فيلزم الشمس من الوقت ما  مقداره عشرون دقيقة لتصل  بظلها إلى هذا المقدار وهذا هو بداية وقت دخول صلاة الضحى. وبما أنني بفضل الله أصلي صلاة الضحي في وقت تفضيلها فأنا إذاً على صواب من أمري.




وكذلك يريد الله أن يعلمني  ويرشدني إلى ماهو صحيح من الدين لأنني كنت دائماً ما أشعر بشئ ما بداخلي يلومني في كل مرة أخرج فيها من المسجد بعد  صلاة الفجربدون أن أصلي صلاة الشروق وما صليت هذه المرة وما أتاني هذا الشاب إلا بإذن الله تعالى أذن لي لكي أصلي حتى يبين  لي أنني على صواب ويزيل ما كان يدور  بنفسي من عدم الرضا فلله المنة والفضل على ذلك وفي كل الأحوال ولتكن هذه هي المرة الأولى  التي أصلي فيها صلاة الشروق وتكون هي أيضاً  المرة الأخيرة.


"اللهم لا إله إلا أنت سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا".




 ومن أراد تفصيلاً أكثر لما  ذكرته فليدخل على الروابط التاليه :


http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&lang=A&Id=22560 

https://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=40227

https://mawdoo3.com/%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9_%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%82

https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=6384


كتب  هذا المقال/  عاطف شوشه

الأحد، 6 يناير 2019

سفر الخروج

غاب ببصره للحظات قصيرة في الفراغ الواقع على يمين المسجد بالقرب من شجرة نحيلة تقاوم أوراقها الذبول أعواماً بلا فائدة. 
لحظات مرت كأنها دهراً طويلاً. 
لحظات إختزلت عمراً بأكمله.

كان قد أنهى صلاة جمعته وخرج من المسجد القريب من المنزل كعادته لأعوام مضت. عمال المسجد يتعجلون المصلين ليجمعوا الفرش خارج المسجد. في هذه البقعة كان يراه وهو ينهي صلاته. ينتظره قليلاً ليمضيا معاً يتجاذبان أطراف الحديث في مواضيع ليست بالهامة. قد ينصرف  كلاً منهما إلى منزله ولكن في معظم الأحيان كان يصعد معه إلى شقته ويشربان الشاي سوياً. بحركة تلقائية كان يلتف حوله وهما  يسيران ليستطيع سماعه جيداً إذ كان يعاني من ضعف في السمع في أذنه اليسرى منذ زمناً طويلاً.

هذه الجمعة على التحديد كان لا يمكنه أن يراه ولن يراه بعد ذلك أبداً وعلى الرغم من معرفته هذه الحقيقة معرفة اليقين فقد ظل للحظات ينظر إلى المكان  قرب الشجرة الذي  اعتاد أن يراه فيه. مد بصره إلى الطريق الترابي الطويل المؤدي إلى المسجد لعله يكون قد أنهى صلاته مبكراً ومضى ولم ينتظره  كما لم يفعل من قبل إلا نادراً. ولكنه لم يكن هناك أيضاً.

الحقيقة المؤلمة التي لم يعيها كاملة حتى الآن هي أنه قد شيعه بالأمس فقط إلى مثواه الأخير.  وافته المنية وقت إقامة صلاة الفجر. لم  ينفعه  النداء بأن يتماسك لعدة دقائق أخرى حتى يخرج المضطربين المحيطين به من حالة الذهول التي صدمتهم  ليعرفوا ماذا يجب  عليهم أن يفعلوا في اللحظة التالية. لم ينفعه الإسراع به إلى المستشفى القريب الذي رفض الطبيب بها استقباله لأنه كان قد  فارق الحياة قبل أن يصل إليها مع النصيحة بأن يعودوا به  إلى منزله كما أتوا به. لم ينفعه فزع المقربين حوله  أو بكاءهم. 

إنتهت طقوس خروجه  من الدنيا سريعاً جداً. ساعات قليلة وقضي الأمر كله وأصبح ذكرى بعد أن كان واقعاً. ما أسهل الخروج من  الحياة وما كان  أصعب الدخول إليها والعيش فيها. ما أسهل مفارقة  كل الأشياء التي نعتقد  أنها هامة جداً وعزيزة جداً مهما تشبثنا بها وتشبثت بنا. ما  أيسراستمرار الحياة بدوننا وما أسرع إنتظام حركتها وكنا نظن أنها ستتوقف بعدنا.

لحظات قصيرة إختزلت عمر إنسان بأكمله وأكدت أن  ذلك  الفراغ سوف يظل فراغاً  للأبد.

كان الطقس بارداً جداً خارج المسجد على غيرعادته. أحس برعشة تسري في جسده. حول بصره والتفت ببطأ شديد. 

غادر المكان ومضى وحيداً.






الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

أنا الشاعر



اليوم مات شاعر

اليوم مات في إحدى جنبات العالم شاعر 


هل تعرف كيف يموت الشاعر؟

الشعراء لا يموتون إذ تصعد أرواحهم إلى السماء
الشعراء لا يموتون عندما تهجرهم المحبوبة
الشعراء يموتون قبل أن يموتوا
يموتون حين تموت زهرة في الحديقه 
يموتون حين يغيب القمر من السماء والنجوم
يموتون في نهاية كل قصيدة لا تقرأها المعشوقة
يموتون حين يموت شاعر مجهول في أرض مجهولة
يموتون حين يهجر طائر حزين وطنه إلى بلاد غريبة
الشعراء يموتون عندما يهجرهم الشعر






عندما يكف الشاعر عن التنقل  من غصن إلى غصن ومن زهرة إلى أخرى ويظل يشدو لزهرة واحدة يصيبه الملل ويزعجه تكرار الأوصاف والكلمات. تذبل عنه  الزهرة فيكف عن الغناء ويصمت الشعر ويموت الشاعر.



ليس كل شاعر يكتب شعراً و ليس كل من يكتب الشعر شاعراً. 

الشاعر شخص يشعر بدفء وعمق شديدين سواءاً كتب الشعر أم لم يكتبه.


اليوم إنتقص من العالم إحساس وشعور لن يكتملا أبداً مرة أخرى إلا بمولد شاعر آخر. ميلاد الشعراء أصبح حدثاً نادرا. الشعراء لا يتكاثرون وإنما ينبتون فرادى من بطن الأرض. 



أن تولد شاعراً . . تبكي عليك الدنيا قبل أن تولد.

أن تنثر فوق جبين الأرض الشعر
أن تقف طويلاً تحت المطر
أن  يغلبك النوم في ضوء القمر
أن تكتب عمرك أبياتا
أن لا تقرأمحبوبتك الشعر




النهار والشعر نقيضان لا يلتقيان

الشعر والليل عاشقان لا يفترقان


عندما تتلعثم الكلمات في قلم الشاعر

عندما ينحبس الشعر في صدر الشاعر
يبدأ بالذبول و الإنحناء كنبتة عطشى منع عنها الماء
يبدأ السقم السريان في أنحاء حياته
ينذر الفجر  بقرب  فراق جديد
بقرب فقد جديد
بنقص في الكون جديد
ينذر بموت شاعر ما في مكان ما


ذهول

لا تسألني من أنا 
أنا الشاعر
فلا تسألني من أنا
إن أردت أن تعرفني
فتش عني في قصائدي
التي لم تقرأ أبدا
إن أردت أن تلقاني
إبحث عني في دواويني
التي لم تنشر أبدا

لا تسألني كم قصيدة نظمت
آلاف الصفحات قد سودت
آلاف الأقلام  فنيت
آلاف الأوراق  قد مزقت
آلاف الكتب محوت
آلاف القصائد قد بدأت 
مذ كنت صبياً ووعيت
قصائد في الـثـورة و الجـنس بدأت
قصائد في الفـرقـة في العشق بدأت
قصائد في الفـقـه وفي الفسق بدأت
قصائد في الحـب وفي السحر بدأت
قصائد في الحـكمة في المـلـل بدأت
لا تسـألنـي كــم قـصـيـدة أتمـمـت
فـلـن تـجـد عـنـدي غـيـر الصمت
فما من أي قصيدة بدأت قد أتممت


إفـاقـة

الوقت يداهم الشعراء
العمر يسابق الشعراء
مهلاً أيها الوقت
رويدك أيها العمر
فما زلت في بداية القصيدة
لا زلت في فقرة الأطلال 
أبكي دياراً ومنازل مهجوره
لا زلت في فقرة النسيب 
أتغزل في حسن المحبوبه
لم تكتمل قصيدتي بعد
لم أحكِ بعد فتوحاتي
لم أروِ بعد خروقاتي
ما زلت أفكر . .
من أي الأوزان سأنظمها
ما زلت أفكر. . 
كم بيتاً أبنيها
ما زلت أفكر. .  
في أي الأغراض سأنشدها
ما زلت أفكر. . 
أي حكاية أحكيها
فلينتظر القراء على الأبواب طويلا
ماذا يهم . . 
مادام الليل مديدا
ماذا يهم . . 
مادام الفجر بعيدا
ماذا يهم . . 
مادام في العمر بقيه
وأنا لا زلت أفكر
كيف سأنهي أي قصيدة
. .
. .


عاطف شوشه

السبت، 28 أكتوبر 2017

ويبقى الكتاب مفتوحاً نحو السماء



كانت الشمس قد مالت للمغيب وقد أخذ السكون يلف الأشياء إذ هدأت حركة الأحياء ترقباً لدخول الظلمة وكأن دخولها هذه الليلة ليس عادة أبدية أزليه

سكنت أوراق الأشجار وهجعت الطيور في أعشاشها فوق الأغصان وهي تضم صغارها بأعين مفتوحة لم يستطع أن يغلبها النعاس بعد وكأنها تنتظر حدثاً مريباً سوف
يأتي لا محالة



وكعادته الليلية بدأ جاهداً يقرأ ورده اليومي المعتاد من القرآن في مصحفه القديم متوسلاً بنظارته الطبية السميكة وقد بلغ منه الكلل والوهن مبلغه. أخذ يقرأ ويقلب الصفحات غير عابئ بعامل الزمان من حوله. وكلما خفت ضوء الشمس وهي راحلة تسعى وراء الأفق إزدادت الأحرف أمام عينيه إزدهاراً وتألقاً. وهو يستمر في القراءة رغم هبوط الظلام وزحف العتمة على كل الأشياء من حوله

كلما إزدادت العتمة زاد الإشراق
كلما أوغلت الظلمة إنبثق النور

لاح شيطان كالطيف فوق كتفه الأيسر واختفى بسرعة داخل رأسه. كل من أخلصت في حبهم  خانوك. كل أصدقاء عمرك تنكروا لك عندما كنت في أمس الحاجة إليهم. كل من أحسنت إليهم وعطفت عليهم أساؤوا إليك. أفنيت حياتك تسعى خلف الأوهام ولم يبق من عمرك ما يكفي من الوقت ولا الجهد لتبدأ البحث من جديد عن الحقيقة.  والبيت الذي بنيته فوق السحاب واهنٌ ملئٌ بالشراك كبيت العكنبوت

يتشبث بكتابه ويستمر في القراءة رغم مهاجمة الأفكار السوداء

قفز شيطان  ثان أمام عينيه لف ودار حول الكتاب المفتوح فوق فخذيه ولكنه لم يلتفت إليه واستمر في القراءة بشغف عظيم.  لوح الشيطان بذراعيه في الهواء وتلقف بيديه كرتين متوهجتين من النار. أدخل الكرتين على الفور في مفصلي ركبتيه فاشتعلتا في الحال. إهتز الكتاب قليلاً ولكنه لم يسقط

لم ينتبه كثيراً إلى ما حدث رغم الألم المبرح واستمر في القراءة بنشاط على الرغم من الأفكار السوداء والإشتعال

والأحرف أمام ناظريه تزداد بهجة وسعاده

أِسْتُدعي شيطان آخر. وبعد أن عبر من خلاله عدة مرات جيئةً وذهاباً أخرج من جعبته مطرقة حديدية هائلة وجاء من خلفه وتلمس الفقرة التالفة في عموده الفقري وأخذ يطرق فوقها مباشرة بكل قوة ومهارة

أثاره ما حدث للحظة قصيرة ولكنه استمر في التلاوة على الرغم من الأفكار السوداء والإشتعال والطرق

كلما إزداد الألم إزدادت الأحرف نوراً وازداد الكتاب لطفاً وإشراقاً

ظهر شيطانان آخران يحملان منشاراً لقطع الأشجار وبدءا عل الفور عملهما بهمة وحيوية أسفل رأسه مباشرة. إهتزت رأسه قليلاً ثم عادت لإتزانها واستمر في إستغراقه في القراءة رغم الأفكار السوداء و الأشتعال والطرق والنشر

كلما إزداد الألم زالت الحجب وتعرت الأحرف وانكشفت الكلمات عن معانيها المستترة

شيطان آخر أمسك مثقاباً وأخذ يحدث الثقوب العميقة واحداً تلو الآخر في عظام الرأس الصلبة

أستمر في القراءة رغم الأفكار السوداء والإشتعال والطرق والنشر والثقب

الآن صارت الضوضاء واقعاً لا يحتمل والألم الجسدي ليس له نظير يعجز عن تحمله البشر وتعجز عن وصفه الكلمات

فجأة تهدأ كل الأصوات
تسكن كل الأوجاع والآلام
تغادر جميع الشياطين
تغلق العينان المفتوحتان
تنتشر الراحة والطمأنينة في أرجاء الجسد الواهن
ترتسم على الوجه إبتسامة أخيرة
ويغادر شيئا ما

ويبقى الكتاب مفتوحاً نحو السماء









كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه












السبت، 26 أغسطس 2017

فقدنا واحداً آخر


" فقدنا واحداً آخر"


همس في أذني بهذه الكلمات بصوت خفيض وهو يتساءل في شك كبير "هل سيمكننا أن نستمر بعد ذلك ؟ "




فُقدنا واحداً آخر بهذه الكيفية يعني أنه وبطريقة مفاجئة أصبحت هناك فجوة هائلة في السياج الآمن الذي يحيط بنا والذي أحتمينا بداخله لسنوات عديدة منذ عانينا من الفقد السابق.



أصبحنا مكشوفين بلا حماية فعلية. من خلال هذه الفجوة أصبحنا معرضين لأي هجوم خارجي  قد يزيد من حالة عدم الإتزان التي نعيشها الآن. أصبحنا مكشوفين مثل جرح حديث ينزف ولم يتم تطهيره أو حتى تغطيته يزيد وهج الشمس من ألم الإحساس به.



نعيد الإصطفاف جنباً إلى جنب محاولين ملأ هذه الفجوة ولكن دون جدوى. نكتشف أن أحجامنا الفعلية قد تضاءلت وانكمشت كثيراً عما كنا نعتقد. لا نذكر آخر مرة حاولنا فيها الإصطفاف معاً.



في رحلة الفقد التي امتدت على مدى سنين طويلة انقسمنا في كل مرة إلى ضجيجيين وصامتين. قد ينقلب الضجيجيون من شدة ضجيجهم إلى صامتين. وقد ينقلب الصامتون بعد طول صمتهم إلى ضجيجيين. البعض نفقدهم أثناء عملية الإنقلاب المؤلمة هذه إذ لا يتحملون آلآم الإنقلاب.


أعرف أن الحقيقة الكبرى أذهلتنا جميعاً  لا لإننا إكتشفنا أنها رغم هيبتها وعظمتها هي أبسط كثيراً من أن نتظاهر بأننا لا نفهمها. ولكن لإنها فاجئتنا كعادتها دائماً  واختارت هي الزمان والمكان من حيث كنا لا نتوقعها. الحقيقة الكبرى أقرب إلينا مما نحاول أن نصوره لأنفسنا. في كل مرة نتظاهر بالتغافل عنها يفاجئنا أن نعرف أنها تصاحبنا كل الوقت.



سرنا به مسرعين أو بالأحرى بالبقية الباقية الساكنة منه إلى حيث الظلام الدامس والمجهول. هذا الظلام نفسه الذي غيب الكثيرين ممن فقدناهم قبله بنفس الطريقة تماماً.
لا أعرف لماذا كنا متعجلين على هذا النحو رغم الطقوس الطويلة والتفاصيل الكثيرة الصعبة التي مررنا بها هذا اليوم وأرهقتنا كثيراً. 

ربما كنا متعجلين لأن بعضه الذي بين أيدينا يريد أن يلحق ببعضه الذي رحل متعجلاً.




مقابرنا مفتوحة لاستقباله


ضربات من معول صدئ.
حفرة عميقة سوداء.
قطع حجرية   ثقيلة.
رشات  من   الماء.
نبتة   صبار  جافه.

لا إسم هناك ولا عنوان.

وأخيراً إنتهى كل شئ. 
تمتم البعض منا بعبارات مبهمة وهو ينفض عن نفسه الغبار الذي ملأ المكان.
تلى أحدهم كلمات نورانية.
تبادل الكثيرون منا بعض العبارات الحزينة.
ومضى الجميع كل إلى وجهته ولم ينظر خلفه.

وبقي السؤال الحائر "هل سيمكننا أن نستمر بعد ذلك ؟ "