لي علاقة وثيقة بحي بسيدنا الحسين.
ففيه بيت جدي وجدتي رحمهما الله القديم في حارة عليش في أم الغلام والذي سكنته إحدى خالاتي رحمها الله أيضاً لفترة طويلة وتسكنه الآن إبنتها مع أسرتها. وحارة عليش حارة غير نافذة أي "حارة سد" آخرها هذا البيت الذي كان يسكنه جدي مع عائلته وكان أمام هذا البيت, البيت المعروف ببيت الهندي وكانت له حديقة تزرع بأشجارالجوافة كما تقول والدتي أطال الله في عمرها. وعلى ناصية حارة عليش كانت حارة الأباظية وكان هناك بيتهم أيضاً وكان منهم نواب معروفون في مجلس الأمة وكانوا يقيمون السرادقات هناك أيضاً لأغراض سياسية. وفي هذا الحي أيضاً البيت الجديد الذي انتقلت إليه العائلة المكونة من جدي وجدتي وخمسة من البنات هن والدتي وخالاتي والذي تسكنه إحدى الحفيدات الآن. وهذا البيت كائن في شارع "حبس الرحبة" في الجمالية أمام مسجد سيدي "مرزوق الأحمدي" مباشرة.
وكان سبب إنتقال جدي وعائلته من الأسكندرية إلى القاهرة مروراً بكفر الشيخ هو قيام الحرب العالمية الثانية كما تحكي والدتي.
وبين البيتين قضيت جزءاً غير قليل من طفولتي . وهناك أيضاً الشقة التي كان يستعملها جدي مقراً لعمله في شارع الأزهرفي عمارة "بنزايون". وكم صليت في جامع الأزهر صلاة الجمعة مع جدي وكنا نمرأحياناً كثيرة من ممر خلفي ينفذ من جانب مدخل عمارة بنزايون وصولاً إلى داخل مسجد "أبي الدهب" محيين عم "رجب" البواب النوبي الأصيل.
وكان يوم الجمعة هو يوم تجتمع فيه كل العائلة في بيت جدي رحمه الله حيث نتناول وجبة الغداء سوياً ثم نقضي بقية اليوم كله في حكايات عائلية لا تنتهي ولا نغادر الحي إلا بعد صلاة العشاء.
وكنت في الأجازات الصيفية أقضي أياماً في بيت جدي وكنت أصلي معظم الفروض في مسجد مولانا الحسين. وفي هذا المسجد كانت أولى مشاهداتي لما إعتدنا أن نسميهم "مجاذيب الحسين" وكنت أرتاب كثيراً من أحوالهم وأنا طفل صغير. كانوا يجوبون المسجد والطرق المحيطة به وبعضهم يلبس الملابس الغريبة ذات اللون ألأخضر الذي يغلب وجوده في أضرحة الصالحين ويضع بعضهم العمامة البيضاء أوالخضراء ويتحلى بعضهم بالأشرطة والنياشين والسبح الطويلة الملونة وهم في هذه الأزياء الغريبة لايلتفتون إلينا كثيراً وقد لا يشعرون بوجودنا على الإطلاق فهم في حال غير الحال.
لم أفهم معني كلمة "مجذوب" هذه إلا مؤخراً وأنا أستغرق في القراءة في كتب أخبار المتصوفين وتجلياتهم الشعرية وفي كتب وأبحاث علوم التصوف . فكلمة "مجذوب" هي إسم مفعول من الفعل "جذب" والشخص المجذوب هو الذي جذبه الله إليه جذباً فهو مجذوب.
والفرق بين المجذوب والسالك هو أن المجذوب قد جذبه الله إليه من غير عمل ولا تدبير من ذاته من باب القدرة كن فيكون أما السالك فهو من أخذ نفسه بالصبر والمجاهدة ومشى الطريق من أوله وترقى في المقامات بفضل الله حتى أصبح من العارفين. فنهاية السالك هي بداية المجذوب.
وفي يوم مولد سيدنا الحسين ومن شرفة بيت خالتي المطل على حارة عليش كنا نراقب حلقات الصوفية في الطريق وعلى الأسطح المجاورة والمجاذيب بداخلها يتمايلون مع الذكر يميناً ويساراً. في بداية الأمر يكون تمايلهم بطيئاً ولطيفاً ثم يزداد ويشتد شيئاً فشيئاً حتى يتحول إلى إنحناءات عنيفة يفقد فيها المجذوب قدرته على التحكم في ذاته ويذهل عما حوله مستغرقاً في إسم من أسماء الله الحسنى يكرره بلسانه تكراراً متزامناً مع حركاته التي صارت قوية لا إرادية ويكون هذا الإسم في هذه الحالة قد ملك عليه جميع مشاعره وجوارحه فهو في هذه الحالة لا يملك من أمره شيئاً. وكنا نراقبهم بشغف من الشرفة في إنتظار ما سيحدث وما نعرفه من سابق مشاهدتنا لحلقات الذكر المحمومة هذه ونحاول أن نسبق الحدث ونتوقع مَن مِن الذاكرين المتمايلين سيسقط أولاً من شدة الوجد حين لا يحتمل الجسد الفاني حالة الوصال الإلهي.
ولا أدري من أين جاء الخلط بين كلمتي المجاذيب والمجانين حتى يقال مستشفى المجاذيب بدلاً من مستشفى المجانين. هل هو التقارب اللفظي الذي سبب هذا الخلط أم هوغرابة أحوال كل من المجذوب والمجنون ما جعل العامة بل والخاصة أيضاً يخلطون بين أحوالهم.
ولكن المؤرخ ابن خلدون يقول : " المجذوب : هو من لا وظيفة له ، فإنه عندهم الصوفية المختطف عند المطلع ، مثل بهلول وغيره من مجانين أهل السلوك ، وهو فاقد لعقل التكليف أبداً ولم تبق له وظيفة ، إذ الوصول قد حق ، والوظائف إنما هي وسائل للوصول ، وهذا المجذوب الذي قد وصل ، وشاهد الأنوار ، وجذب عن نفسه وعقله ، فهو لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولا النقل ، إنما هو سابح دائماً في بحر المعرفة والتوحيد ، مختطف عن الحس والمحسوس ".
ويقول السيد محمود أبو الفيض المنوفي :
" المجذوب هو من جذبته شوارق الجمال وأيقظته بوارق الجلال ".
كتب هذا المقال/ عاطف شوشه


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق