الجمعة، 26 فبراير 2021

الـذكـر وأهـلـه

 





هو أمر يشغلني منذ حين وتتكرر معه حيرتي كلما صادفت من يقوم بإرشاد الناس ووعظهم وفُتياهم بدون أن يعلم أحد ما هي خلفيته الثقافية أو السياسية فضلاً عن ماهية خلفيته الدينية أو الطائفية وما إذا كان هو نفسه على دين وخلق أم لا. 


وكثير من هؤلاء يعتبرون أنفسهم ممن يطلق عليهم لقب "أهل الذكر" الذين يجب على الناس أن يلجأوا إليهم إذا استشكل عليهم أمر ما من أمور دينهم بل وأيضاً من أمور دنياهم.  


ويستشهدون على الناس من القرآن: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"


وهم سيذكرون لك دائماً هذا المثال السقيم "لو تعطلت سيارتك هل ستذهب بها إلى الطبيب كي يصلحها لك؟ والعكس صحيح "هل إذا مرضت فإنك ستلجأ إلى الميكانيكي كي يعالجك؟"  بالطبع لا ستلجأ إلى كلٍ في تخصصه ولكن ما بالك إذا كان الأمر يتعلق بالدين فلماذا ترفض أن تلجأ في إصلاح دينك إلى "رجال الدين" أو "العلماء أو " أهل الذكر".


 هذه هي الخدعة "فرضية المساواة بين العلوم الدينية والدنيوية" وهم لا يصرحون لك بهذه الفرضية مسبقاً كي لا تنقضها لهم ولكنهم يبنون عليها هذا المثال السابق. 

وهنا أيضاً نقر أن في هذه التسوية إنحطاطاً بالدين السماوي إلى مستوى مهين لا يرضى به أصحابه.

كما أنه لا يوجد في الدين الإسلامي مفهوم "رجل الدين " وهذا مفهوم دخيل علينا من الديانات الأخرى وخاصة المسيحية.


والعلوم الدنيوية التي يساوون بينها وبين العلوم الدينية ليست واجبة على الجميع أن يتعلمها بل هي إختيارية لا يحاسب الله عليها العبد إذا تركها ولم يتعلمها على عكس العلوم الدينية التي هي واجبة على الجميع أن يتعلمها لأننا سوف نحاسب عليها. 


وليس التبحر في العلم الذي يتباهى به هؤلاء على غيرهم أمر واجب على أية حال إذ أن التبحر ناتج عن كثرة السؤال وتنوعه في القضية الواحدة وكذلك ناتج عن فرض السؤال ثم البحث له عن إجابة مرضية وأنا أشبه كثرة الأسئلة في الموضوع الواحد بمثل بني إسرائيل حين أكثروا من السؤال عن البقرة فقد شقوا على أنفسهم فشق الله عليهم.


إن التبحر في المسائل الدينية قد أنتج لنا كثيراً من الأحكام المختلفة للمشكلة الواحدة وقد أقر كل الأئمة أنه "إذا عم البلاء يؤخذ بأيسر الأحكام" فإذا كان الأمر كذلك فما جدوى التمسك بوجود الأحكام الأخرى الغير ميسرة إذا كانت الميسرة منها تجزئ من يعمل بها.


فمن هم إذن "أهل الذكر" ؟


وتعبير أهل الذكر قد تكرر بنصه في موضعين من كتاب الله تعالى:

الموضع الأول في سورة النحل، يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (44).

والموضع الثاني في سورة الأنبياء، يقول تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (7).


وكلا الآيتين جاء في سياق إرشاد الكفار ـ المعاندين والمكذبين ـ إلى سؤال من سبقهم من أهل الكتاب، وفي هذا الإرشاد إيماء واضح إلى أن أولئك المشركين المعاندين لا يعلمون، وإلا لما كان في إرشادهم إلى السؤال فائدة.


وعلى الرغم من أن الآيتين تشيران إشارة واضحة إلى العالِمين من أهل الكتاب فقط بأمر الرسل السابقين وأنهم كانوا رجالاً من البشر ولم يشترط حتى أن يكون أهل الكتاب هؤلاء  من الصالحين. 

إلا أن الذين قد تعلموا من الدين الإسلامي علومه المختلفة أحبوا لسبب ما أن يسلبوا ويستأثروا بهذا اللقب مفسرين ذلك بقولهم : "أن أفضل أهل الذكر أهلُ هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم" كما جاء حرفياً في تفسير السعدي. 


ولفظ "أولى" في كلام السعدي يوحي إلينا بعدم رضائه عما نص الله عليه صراحة في القرآن من إسباغ هذا اللقب على أهل الكتاب فقط دون غيرهم وأنه يقوم بالتعديل على الله سبحانه وتعالى في قرآنه المنزل.


هذا على الرغم من أن الآيتين لم تشيرا إلى أهل القرآن من قريب أو بعيد. فلماذا يحاولون أن يجدوا لهم موضع قدم عنوة في هذا المقام الذي لم يخصهم الله تعالى منه في شيء. ثم كيف يطلب من الكفار الإستشهاد بالقرآن أو بأهله وهم قد كفروا بمحمد كنبي مرسل وبما أنزل به.


أما وقد قلدوا أنفسهم هذا اللقب فقد أفاضوا في فضل أهل الذكر ولسان حالهم يشير إلى أنفسهم دائماً بأنهم هم أهل الذكر المعنيين. فقد ذكر السعدي في تفسيره وهو يفيض في تبيين مفهوم الآية :"وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم". فهم يصفون أنفسهم بالعدل ويزكون أنفسهم على بقية خلق الله. وقد وضعوا أيضاً آداباً قواعد للعامة يجب عليهم أن يتبعوها عندما يتعاملون مع "أهل الذكر".


وهم بذلك قد أوجدوا لأنفسهم "وظيفة" لقبها "أهل الذكر". وهم بعد ذلك يخلقون عند الناس ما نسميه "الإحتياج" إلى هذه الوظيفة. ويحببونها إليهم بشتى الطرق فهم يعدون الناس بجائزة هامة جداً بل وخطيرة أيضاً إذ يدخلون في روع الناس مايلي :

" أن السائل والجاهل يخرج من التبعة بمجرد السؤال، وفي ضمن هذا: أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال." 

وهذا النص منقول من موقع المسلم - د. عمر المقبل. القاعدة التاسعة والأربعون.

وأنا لم أعلم شيئاً من القرآن أو السنة يدل على أن أحداً سوف يحمل وزر أحد آخر يوم القيامة وإنما "ستجزون بما كنتم تعملون" و "يا فاطمة إعملي فلن أغني عنك من الله شيئاً"


وأنا أقر هنا بوجوب السؤال لمن لا يعلم ولكنني لا أقر بلزوم العمل بالإجابة فهذا من شأن السائل أن يختار أن يعمل بما سمع أو لا يعمل لأنه سوف يحاسب على اختياره وحيداً ولن يفيده في الآخرة أن يقول "فعلت كذا لأن فلاناً من الناس في الدنيا قد قال لي إفعله"

ومن شأن السائل أيضا أن يسأل من يشاء ممن يعتقد أنه أعلم منه في موضوع السؤال حتى ولو لم يكن من "أهل الذكر".


إذن ما هي القاعدة التي استند إليها هؤلاء في إلقاء هذا اللقب على أنفسهم.

نص الأصوليون والفقهاء على قاعدة هامة ، وهي أن " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " وهذه القاعدة متفق عليها عند جماهير أهل العلم ولم يخالف فيها إلا القليل .
جاء في " المحصول " للرازي (3/125) :
" فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , خلافاً للمزني وأبي ثور ؛ فإنهما زعما أن خصوص السبب يكون مخصصا لعموم اللفظ " انتهى .
(منقول من موقع الإسلام سؤال وجواب - الشيخ محمد صالح المنجد - سؤال رقم 224767)


يقول د. عمر عبد الله المقبل وهو أستاذ، دكتور في الشريعة (جامعة القصيم):

"أن المقرر في علم أصول التفسير: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها مثال لذلك، فهذه الآية أي آية الذكر وإن كان سببها خاصاً بأمر المعاندين أن يسألوا عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر ـ وهم أهل العلم ـ فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين: أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علمٌ منها وبها، فعليه أن يسأل من يعلمها."

وأنا أقول أنه إذا كانت هذه القاعدة تنطبق على آية من آيات القرآن فإنها لا يصح ومن غير المنطقي أن تنطبق على جزء من آية كما هو الحال هنا في آيتي أهل الذكر.


وإذا كان تفسير أي آية من القرآن لا يستقيم إلا بعد ربطها بالآية التي قبلها والتي بعدها حتى لا نفقد القرآن موضوعيته. فكيف والحال كذلك أن يستقيم تفسير جزء من آية منفصلاً عن بقية الآية من قبله أو من بعده؟  فنصير كمن يقرأ "ولا تقربوا الصلاة" فاستشهد بالقرآن في الإمتناع عن الصلاة تطبيقاً لقاعدة المفسرين الأصوليين " إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " وتغافل عن تكملة الآية التي هي "وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون".


وإذا عجزنا أو استشكل علينا تفسير آية ما في القرآن بعد ربطها بالآيات التي قبلها أو بعدها أي أننا لم نجد لها علاقة تفسيرية تتناسب مع ما قبلها وما بعدها من الآيات فيجب علينا الإعتراف بعدم قدرتنا على تفسيرها على الوجه الصحيح الذي أراده الله عز وجل لها. وهذا ليس مما ينقص من قدر القرآن في شيء ولكننا نخاف من أن ذلك سوف ينقص من قدرنا ونحن "أهل الذكر".

ويجب علينا ألا ننسى أن تفسير القرآن كله ظني وليس توقيفي وليس على قارئ القرآن أي ذنب إن لم يعرف تفسير الآيات التي يقرأها سواءاً لم يكن هناك تفسير لها أو كان هناك تفسير ما وجهله هو.


وأنا أكاد أن أجزم أنه باستخدام المنطق البسيط أن كل الآيات التي قام المفسرون باجتزائها والإستشهاد بجزء منها دون بقيتها قد جانبهم الصواب في تفسيرها بل أزعم أيضاً أن هناك سببٌ ما قد دفعهم أو أجبرهم على فعل ذلك أو أن هناك منفعة ما يرجونها أو مكاسب يخشون خسارتها إذا فعلوا غير ذلك.


وعندما نتحدث عن تفسير القرآن فنحن لا نتحدث عن ناقلي التفسير أو حفظته وإنما نقصد من قد نقل عنهم أشهر التفسيرات المعروفة إذ يجب علينا ربط هذا التفسير أو ذاك بالحالة الإجتماعية والسياسية للمفسر ذاته والمجتمع الذي عاش فيه والعادات السائدة في عهده والتأثيرات القبلية والطائفية وأيضاً ننظر بعين الإعتبار للثقافة التراكمية لذلك العصر وما كان متاحاً منها للمفسرين في الأماكن التي عاشوا فيها أو تيسر لهم الإرتحال إليها.

 

ورحم الله الإمام أحمد حين قال "ثلاثة كتب لا أصل لها المغازي والملاحم والتفسير".


عاطف شوشه


الثلاثاء، 23 فبراير 2021

رمضان جانا

 


في مثل هذه الأيام أي قبل دخول شهر رمضان بفترة وجيزة خرج علينا أحد الشيوخ جزاه الله خيراً يحدثنا بحديث يحثنا فيه على الإستعداد للشهر الفضيل كما اعتدنا أن نسميه. 

وكان مما قال تحفيزاً للمسلمين ما معناه أن كل الناس في هذه الفترة على اختلاف وظائفهم "كلٌ يعد العدة لاستقبال شهر رمضان". 


وضرب لنا مثلاً بأصحاب الفن الذين شرعوا في إعداد المسلسلات والسهرات التليفزيونية والفوازير والبرامج المُلهية وما إلى ذلك.


 وأما أهل الدعوة فقد بدأوا بدورهم في الإعداد للندوات الدينية والبرامج التوعوية وحلقات التفسير والدروس الدينية وما إلى ذلك أيضاً. وعلى كل مسلم أن يختار سبيله ويحدد وجهته حتى يصل إلى تحقيق هدفه الذي اختاره لنفسه في هذا الشهر الكريم. 


وعلى الرغم من أنني قد استفدت من الحديث الذي كانت فكرته ملهمة ومحذرة بل ومنبهة  أيضاً. إذ أنه لابد وأن تستفيد من كل حديث بذل فيه صاحبه مثل هذا الجهد البين ما جعلك تلتفت وتنصت إليه سواءاً كانت الإستفادة بالإيجاب أو بالسلب.


ومع كل هذا الإنتباه والإنصات تكون هناك الملاحظات التي قد لا يخلو منها مثل هذا الحديث وكانت الملحوظة الأهم والأجدر بالتعليق في هذا الحديث هي التي قد ختم بها الشيخ كلمته بأن قال حرفياً: 


" وكلٌ يروج لبضاعته".


لم يعجبني كثيراً أن يطلق الشيخ على الدين وصف بضاعة فيسوي بين الدين وغيره من البضائع التي تشترى بالمال بل ويساوم البائع والمشتري على قيمتها. وقد يغش البائع المشتري فيبيعه بضاعة فيها من العيوب ما قد ستره بحيلته وحسن بيانه وقدرته على الإقناع. بل وأحياناً كثيرة يخدع البائع المشتري معتمداً على ما أنعم الله به عليه من حُسن خِلقة وبشاشة وجه مما يبعث الثقة في قلب المشتري فلا يشك أن شخصاً قد حباه الله مثل هذه الصفات يمكن أن يكون أيضاً من صفاته الغش أو الخداع أو التدليس.





إذاً فقد هبط الشيخ بالدين كله بكل جلاله وسموه وبشيوخه أيضاً بكل احترامنا وتقديرنا لهم لعلمهم إلى مثل هذه المرتبة المتدنية من المعاملات الدنيوية حين شبه الدين بالبضاعة فصار رجال الدين بائعين وعامة الناس أي ممن لا يصنفون كرجال دين مشترين لها فجاز على الدين من أنواع المعاملات المذمومة ما يجوز على شتى البضائع مما وصفنا سابقاً.


وأنا لا أتصيد الأخطاء لهذا الشيخ أو لغيره وأكبر دليل على ذلك هو أنني لم أذكر إسمه وذلك لأنني لا أتذكره ولا أقصده بذاته ولكنني أقصد كل من يتعرض للإرشاد وأصبح ممن يخرجون على الناس ويستمعون إليه سواءاً كان هذا في الإذاعة والتليفزيون أو في الصحف والمجلات.


وهناك من هم أخطر من كل هؤلاء ولكنهم لا يعلمون ذلك هم أولئك الذين لم تصبهم الشهرة بدائها إذ أن الناس إلى تصديقهم أميل للإعتقاد بانتفاء المصلحة الدنيوية في إرشادهم وهؤلاء هم الأكثر إنتشاراً على أرض الواقع والأقدر على الوصول إلى من لا تصله وسائل الإعلام باختلاف صورها وهم من يشكلون الوعي الديني العام لهؤلاء الناس ولكن في شيء من السكون.


وأنا هنا أحذو حذو الشيخ وأدعو كل المسلمين ومن الآن إلى اليقظة والإنتباه وإلى إعداد أنفسهم لاغتنام أيام الله بما أودع فيها سبحانه من نفحات يغفل عنها من لا يجِد في طلبها والبحث عنها.


وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.




عاطف شوشه

الاثنين، 15 فبراير 2021

الأبواب المغلقة

 


هابطاً وحدي من الجنة

كلما  أهبط  منها طابقاً

أترحم  على  أصحاب 

الأبواب المغلقة


كلما  مررت أمام  باب  مغلق 

يبتسم  لي  أصحابه  من خلفه

أعرف وجوههم رغم  الظلمة

أحتفظ  بملامحهم في وجداني





أظل هابطاً فوق الدرج المعتم

يخيل إلي أن الدرج  بلا نهايه

في نهاية  الدرج فراغ  شاسع

الفراغ  يفضي إلى . . لاشيء


خطر ببالي خاطر فتذكرت أن الخطرات هي دواعي القلوب إلي كل خير وشر وهي إن كانت خاطرة خير فهي تنبيه للعبد من الله عز وجل. وذلك أن الله عز وجل يخطر ببال المؤمن لينبهه ويعظه. وفي الحديث: "من يرد الله به خيرا يجعل له واعظا من قلبه" فثبت بقول النبي أن الله يعظ عبده فيُخطر بباله ذكره ليتعظ بذلك.


وكانت الخاطرة التي خطرت ببالي في هذا اليوم وأنا أخرج من بيت والدتي لقضاء بعض شئوني أن أترحم على جيراننا الذين توفاهم الله وصارت بيوتهم خاوية مغلقة لا يسكنها أحد من بعدهم. وأنا كلما صعدت أو نزلت الدرج أمر على بيوتهم حيث أن والدتي تسكن في الدور العلوي وهو نفس البيت الذي ولدت أنا فيه منذ أكثر من ستون عاماً.


وكنت أحس قبل ذلك اليوم بشيء من الإنقباض والوحشة عندما أمر أمام أبواب بيوتهم. هي وحشة من يذكر من يحبهم بعد أن غابوا عنه كلما مر أمام دورهم. وهي نفس وحشة الشاعر عندما مر بأطلال حبيبته فأنشد يقول: 


"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل".


 فقد قضيت أجمل أيام حياتي في هذا البيت وكان هؤلاء الجيران جميعهم بمثابة الأهل بعد الأهل والسند إذا احتجت يوما للسند وكان منهم أصدقاء الطفولة التي استمرت صداقتهم على مدى العمر على الرغم من تفرقنا في بلاد الله الواسعة إلا أننا نذكر بعضنا البعض في كل مناسبة ونتبادل التحيات والدعوات.


في هذا اليوم خطر لي أن أترحم على كل من رحل من جيراننا وأنا أنزل الدرج. كلٌ أمام باب بيته المغلق ففعلت ذلك وأنا أنزل ببطء وأتذكر كل الراحلين وتحضرني وجوههم بكامل ملامحها وهم يبتسمون لي وكأنني كنت قد رأيتهم بالأمس القريب.


ونزلت الدرج المعتم ونزلت على قلبي طمأنينة وسكينة لم أعهدهما من نفسي في مثل هذا الموقف من قبل اليوم.


لما قضيت شئوني عدت إلى البيت وأخذت أترحم مرة أخرى في صعودي الدرج على جيراننا الراحلين كلما مررت بأبوابهم المغلقة.


قالت لي أمي أطال الله في عمرها وهي يبدو عليها شعور بالسرور يخالطه شيء من الدهشة: 

" أتعلم من اتصل بي يسأل عني وعن أحوالي وأنت خارج البيت ؟  

إنها ابنة جيراننا النوبيون الذين يسكنون الدور الأرضي رحم الله أباها وأمها كانوا من أعز جيراننا وأشدهم طيبة وأوثقهم صلة بنا.

هي تسكن في مدينة ساحلية بعيدة مع عائلتها وهي أيضاً لم تتصل بي من قبل ولو لمرة واحدة ولكنها

قالت لي أنني قد خطرت ببالها اليوم فسارعت إلى الاتصال بي والإطمئنان علي"


ابتسمت لأمي فسألتني عن سر هذه الإبتسامة فحكيت لها ما كان من شأني عند خروجي من المنزل وعند رجوعي.


قلت في داخلي لعل ترحمي على والديها قد أسعدهما وآنس شيئاً من وحدتهما فأخطر الله ببال إبنتهما أن تؤنس وحدة والدتي في غيبتي.


" الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". 


لعل هناك بقايا منهم لاتزال خلف هذه الأبواب المغلقة.





عاطف شوشه

الأحد، 13 ديسمبر 2020

البديل

 اليوم أصبحنا فارغين تماماً.


نبحث حولنا في كل مكان عن سر هذا الفراغ الغريب المفاجئ. ندور طيلة النهار حول أنفسنا نتخبط في أرجاء المنزل فلا نجد تفسيراً لما نحس به. 


يدخل من الباب زوارٌ كثيرون ويخرجون واجمون متجهمون كما دخلوا. 

سر الفراغ الكبير ليس معهم أو بينهم. وجودهم ورحيلهم سواء. لم يضيفوا شيئاً ولم ينقصوا شيئاً أيضاً. نتوقع أن يأتي المزيد من هولاء ويرحلوا كما فعل من قبلهم بلا أثر يذكر. 


نتيقن تماماً أن سر هذا الفراغ المقلق ليس قطعاً هذا الشخص الذي فقدناه للأبد بالأمس والذي كان سبباً مباشراً في كثرة الزوار بطريقة مملة جداً إذ يجب علينا ليس فقط أن نستقبلهم ونبدي إمتناننا البالغ لتفضلهم بالتواجد معنا في هذا التوقيت الذي لم نشارك في اختياره  ولكن يجب علينا أيضاً أن نشاركهم وجومهم وتجهمهم طوال فترة وجودهم معنا.


حاولنا عدة مرات أن نحيل سبب حيرة الفراغ التي تنتابنا على شخص الراحل ولكن دون جدوى فلم يكن وجوده بيننا بهذه القيمة حتى يسبب لنا رحيله هذه الحيرة العارمة.


إنقضت بضعة أيام وهدأت الزيارات ولا زلنا في حيرة من أمرنا.


ومع بدء عودة الحياة إلى وتيرتها المملة السابقة يزداد هذا الشعور الخفي. ونتساءل بيننا وبين أنفسنا تساؤلات عديدة.

على من سوف نبدأ من جديد في حياكة المؤامرات الصغيرة المسلية التي كانت تشغل معظم أوقات فراغنا. 

على من سوف نحيل كل الأخطاء الكبيرة والصغيرة التي تحل بنا في حياتنا. 

من سيحمل وزر أعمالنا الطائشة ورغباتنا الجامحة رغماً عنه. 

من سنوجه له أصابع الإتهام عندما تسوء بنا الأحوال على الرغم من  يقيننا الجازم بأنه ليس السبب وراء ذلك. 

من سنجرب معه شتى الطرق الملتوية والأفكار المتناقضة لننغص عليه حياته كلها.

من سنتكلم عنه من وراء ظهره ما لا نستطيع أن نواجهه به من كلمات حمقاء تنتقص كثيراً من احترامه. 

من سنطلق عليه مختلف الألقاب التي لا يمكنه أن يتصور أنه هو المقصود بها عندما نذكرها أمامه مصحوبة بابتسامة صفراء تقول له ما أغباك كيف لا تفطن أننا نعنيك أنت بهذه الألقاب المهينة. 





على من سوف نكتم الأسرار مهما كانت صغيرة وعديمة القيمة ونعتبره ليس أهلاً أن يؤتمن على أتفهها. 

من سنفاجئ بأشياء يراها لأول مرة ولا يعلم متى بدأناها وأين كان عندما بدأت وهي وثيقة القرب منه وهو لا يدري عنها شيئاً ونستمتع بنظرة الحيرة البلهاء في عينيه. 

من سنوجه إليه كل الإنتقادات مهما حاول أن يحسن التصرف ومهما بذل من جهد ليظهر أمامنا بصورة أفضل. 

من سنوجه إليه التعليمات بما يجب أن يفعل وما لا يجب في جميع الأحوال والمناسبات. 

من سنقوم بإحراجه أمام الجميع عندما ننتقد علناً أفعاله وكلماته وتعبيراته التافهة.


من سوف يبعث في أنفسنا الشعور بالتميز والفطنة عندما نثبت له أنه دائماً لا يحسن التصرف في كل الأمور.


لقد كان هو من نستطيع أن نستعمله في كل هذه الأمور بلا أدنى مشقة وتعب فقد كان دائماً في متناول أيدينا نستخدمه متى نشاء. 


أما وأنه قد رحل للأبد فنحن نظن الآن أنه قد يشعر بالراحة لأنه لم يصبح في مرمى أعمالنا بعد اليوم. 

ولكنه هذا الخبيث قد تركنا بلا سابق إنذار وقبل أن نجد بديلاً له نستعمله في كل هذه الأشياء الهامة لنا. 

وإحقاقاً للحق لم نفكر يوماً أن نبحث له عن بديل إذ كنا نعتقد أنه سوف يصمد عمراً أطول من ذلك بكثير. 

ثم كيف يجرؤ هو على أن يرحل بدون أن نأذن له بالرحيل وقبل أن يتأكد أننا قد جهزنا البديل المناسب وقبل أن ننتهي من أعمالنا معه. 


إستراح هو وأتعبنا نحن من بعده إذ أنه ليس من المعقول أن نستخدم أحداً منا بدلاً منه. فيجب علينا أن نتحمل مشقة أن نبحث عن شخص آخر قريب منا لنستعمله في تلك الأمور. فإذا لم يكن هناك شخص قريب بالدرجة الكافية فلنبحث عن شخص نقربه ثم نستعمله على أن تكون فيه كل المواصفات المطابقة والمناسبة لاحتياجاتنا.


سوف نظل نعاني من هذا الشعور الغريب بالفراغ حتى نعثر على هذا الشخص أو سيضطر كل منا إلى استعمال الآخر واستعباده وتعذيبه ليضطلع بهذه المهمة التي يقوم عليها كل وجودنا وتتسق بها حياتنا حتى نجد البديل. 


الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

بين النَّسخ والبَداء



يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في كتابه "ضحى الإسلام":




"واجه اليهود كثيراً من المسائل، وبحثوا عنها، واختلفوا فيها؛ فقد بحثوا في النسخ، وقالوا إن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وقد بدأت بموسى وتمت به، فلا يجوز النسخ لأن النسخ في الأوامر بَداء ولا يجوز البَداء على الله.

وتكلموا في التشبيه؛ لأنهم وجدوا التوراة مملوءة بألفاظ تشعر بالتشبيه مثل الصورة والمشافهة، والتكلم جهراً، والنزول على طور سيناء، والاستواء على العرش، وجواز الرؤية.

وتعرضوا للرجعة أي رجوع بعض الأفراد إلى الحياة بعد الموت، وجاءهم ذلك من أن عزيراً أماته الله مائة عام ثم بعثه. وقالوا إنه مات وسيرجع، وقال بعضهم غاب وسيرجع.

وهذه الأقوال والخلافات كلها تسربت إلى المسلمين عمن أسلم من اليهود، فرأينا المسلمين يبحثون في جواز النسخ في القرآن، كما بحث اليهود في نسخ التوراة. 

ويذهب جمهور المسلمين إلى جواز نسخ الحكم دون النص، وإلى أن ذلك وقع فعلا، ويخالف في وقوعه أبو مسلم الأصفهاني. ونرى المسلمين في كتب أصول الفقه عند الكلام على النسخ  يناقشون اليهود في رأيهم، يجادلونهم ويردون عليهم. مما يؤيد وجهة نظرنا في أن اليهود هم السبب في إثارة هذه المسألة، ورأينا بعض الشيعة يرى البَداء الذي أنكره اليهود. 

  وكان مما فعله المفسرون للقرآن الكريم أنهم أخذوا ما في التوراة وشروحها، والأخبار التي رويت حولها، ووضعوها تفسيرًا لآيات القرآن الكريم. وهكذا فعلوا في كل ما ورد في القرآن من قصص وردت في التوراة. 

ولم يكن كل هؤلاء اليهود علماء باليهودية مدققين، بل كان منهم عوام يعرفون كما يقول ابن خلدون ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات.

فترى من هذا أن كثيرا من المسائل الكلامية وغيرها، كان منبعها اليهود، وأنها قيلت على مثال ما قالوا. وحق قول رسول الله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن."

وما زالت هذه الإسرائيليات تكثر وتنمو، حتى امتلأت بها الكتب؛ أمثال قصص الأنبياء للثعلبي"

إنتهى كلام  أحمد أمين.



وهكذا فإن ممن أنكر النَّسخَ اليهودُ ، وحجتهم في هذا الإنكار: أن النَّسخ يفيد أن الله تعالى بدا له حكم جديد لم يكن قد بدا له من قبل فيرفع به حكماً قديماً، وهذا البَداء لا يجوز في حقه، وبالتالي فلا وجود للنسخ، وهذا قول باطل، وحجتهم في هذا الإنكار داحضة؛ للفرق البيِّن والواضح بين النَّسخ والبَداء.

 
فالبَداء: ظهور الشيء بعد خفائه، ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا لنا الأمر الفلاني؛ أي: ظهر بعد خفائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: 47]، ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الأنعام: 28]، ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾ [الجاثية: 33].
 
أما النَّسخ فهو رفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر عنه، وهو لا يستلزم البداء، كما يزعمه اليهود، بل الله تعالى علِم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن كيف إن كان سيكون، فمن أسمائه سبحانه: العليم، ومن صفاته: العلم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231] وهذه الآية وردت بصيغة من أقوى صيغ العموم؛ فهو سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61].
 
فالله تعالى علم أن الحكم المنسوخ يصلح للعباد مدة معينة، وأن الحكم الناسخ هو الذي يصلح لهم في مدة معينة، الكل معلوم لديه سبحانه.
 
والبداء -المستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء - إن جاز في حق المخلوق؛ لقصور علمه، وحجب علم الغيب عنه، فكيف يجوز في حق عالم الغيب والشهادة، الذي كمُل في علمه كما كمُل في ذاته وكل صفاته؟!

والإمام ابن حزم رحمه الله تعالى له كتاب شهير تحت عنوان "الإحكام في أصول الأحكام" وهو كتاب في أصول الفقه يعتبر من أهم مراجع كتب أهل السنة والجماعة في أصول الفقه لما فيه من قوة في الأخذ بالدليل, وكعادة ابن حزم قويُّ الحجة والبرهان، والكتاب من أهم وأثبت كتب أصول الفقة الإسلامي، فهو غني بأدلة الكتاب والسنة، بل إنه كتاب حاول فيه ابن حزم إلزام متطرّفي المذهبية بالرجوع للكتاب والسنة والسلف الصالح.



يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه الشهير :

"فإن قال قائل: ما الفرق بين البَداء والنَّسخ؟

قيل له - وبالله تعالى التوفيق -: الفرق بينهما لائح، وهو أن البَداء أن يأمر بالأمر، والآمِر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنَّسخ: هو أن يأمر بالأمر والآمِر يدري أنه سيحيله في وقت كذا، ولا بد قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه، 

فلما كان هذان الوجهان معنيينِ متغايرين مختلفين، وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسمٌ يعبَّر به عنه غيرُ اسم الآخر؛ ليقع التفاهم ويلوح الحق؛ 

فالبَداء ليس من صفات الباري تعالى، ولسنا نعني الباء والدال والألف، وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالأمر لا يدري ما عاقبته، فهذا مبعد من الله عز وجل، وسواء سموه نسخًا أو بَداءً أو ما أحبوا، وأما النَّسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها، وهو القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده عز وجل، كما سبق في علمه تعالى".

إنتهى كلام  إبن حزم.

والله أعلم.

"اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا"



كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه


الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

للقلب فرصة أخيرة





هي . . . 

تصغرني بسنوات طويلة. تعرفت عليها بصفة رسمية. يومها نظرت إليها فخطر خاطر في قلبي. في اللحظة التالية كنت أتجنب النظر إليها. لكنني في اللحظة الأولى فضحتني عيناي فأنا أعرف مني تلك النظرة التي تكشف عن شئ أقل ما يوصف به أنه الميل الفجائي. 

وتوقعت ما سوف يكون في أيامي المقبلة وكأنني أستقرأ المستقبل وأستسلم له. لم أجزع ولم أخف مما هو آت وكأنه قدر محتوم لا مهرب منه وما أجمل الإستسلام له.

أعرف مني سطوة هذا القلب التي تجبر النظرعلى الإفصاح عن هذا الميل  الغير مبرر زمانه ومكانه. 
لم أجد لي مخرجاً. 
أنا لم أعرف أبداً كيف انزلقت. 
أنتبه لنفسي فأجدني كنت أفكر فيها. 
إذا نمت فلكي أحلم بها. 
إذا استيقظت فلكي أبحث عنها كيف سأراها. 
تأنس روحي إذا كانت قريبة. 
تطمأن نفسي إذا سمعت صوتها من بعيد. 
هي تبادلني شعور خفي بحب التواجد في نفس المكان دائماً. 

إن غابت عن عيني أنتظرها حتى وإن لم يكن هناك موعدٌ ما بيننا حتى وإن كنت أعلم أنها لن تجئ. فأنا أحب أن أنتظرها وحسب.

عندما أراها أحكي لها كل مامر بي وأنا بعيدٌ عنها وكأنني أعتذر لها عن كل اللحظات التي مرت بي وأنا أتنفس هواءاً ليس ممزوجاً بأنفاسها.





عندما أدخل مكاناً أبحث عنها بعيني في كل الأرجاء ولا يستقر لي نظر ولا يسر لي خاطر حتى تراها عيناي ويجدها قلبي فيمتد حبل خفي من الشوق بيني وبينها حتى وإن كانت لا تراني فأنا متيقن أنها الآن تحس بي وتطمئن بوجودي وإن لم تكن تراني.

"ومن الشوق رسولٌ بيننا ونديمٌ قدم الكأس لنا"

أحس أنني قد صرت شفافاً عاري الأحاسيس حتى صار كل من حولنا يرى ما بداخلي من شدة ما ألم بي من الشجن والشوق الذي يلفنا ويدور حولنا في دوامة رقيقة تعصف بنا في رفق شديد.


تبادلني نظرات رقيقة ليس لها إلا معنىً واحداً أعرفه وأفهمه جيداً. أنظر إلى عينيها فأجدني في أعمق أعماقهما. لم يقل أحدنا كلمة تفصح عن أي مشاعر من أي نوع. هربت كثيراً وانتابني القلق كلما هربت والراحة كلما عدت. صرت أتعمد الهروب حتى صار هروبي ملحوظاً أكثر من تواجدي. 

أحس بنظراتٍ متسائلةٍ من حولنا ماذا يحدث ؟ وكيف يمكن لأي شئ أن يحدث ؟ 

وتسائلني نفسي:

" هل يمكن أن يكون للقلب بعد هذا العمر الطويل فرصة أخيرة ؟" 

ها هو قلبي يعاود الخفقان. 

أنت حيٌ ياقلب لم تمت. 

أنت حي.

أنت حي.

الاثنين، 3 أغسطس 2020

إدعِ لي يا أمي . . .



إدعِ لي يا أمي . . .
أنا أخطو أولى خطواتي يمينك أماني.
أحتاج دعائك يا أمي. 

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا ذاهبٌ إلى المدرسة طفلاً خجولاً وحيداً.
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا ذاهبٌ الآن لتأدية الإمتحان الأخير. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا أبحث عن عمل في عالمٍ مزدحمٍ بلا رحمة.    
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا أختنق ضاقت علي الأرض هنا بما رحبت.
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا مسافرٌ إلى بلادٍ بعيدةٍ لا أهل لي فيها ولا أحباب. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا مريضٌ جداً وضعيفٌ جداً ولا رفيق لي يعينني. 
أحتاج دعائك يا أمي.




إدعِ لي يا أمي . . .
العمل مع الأغراب مؤامرة يدس لي  فيها سم قاتل. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أنا حزينٌ جداً وبائسٌ جداً ويائسٌ جداً. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
تقتلني الوحدة والحنين في بلاد الغربة. 
أحتاج  دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
أريد العودة أريد الرجوع  إليكِ يا وطني. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
الجميع يأخذون مني كل ما هو لي. 
وحدك يا أمي تعطيني كل شئ. 
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
الجميع يطلبون مني حتى لو كنت لا أملك.
وحدك يا أمي تعطيني ولا تسأليني شيئا.
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
الجميع  يرهقونني ويهلكون سنين عمري.
وحدك يا أمي تدعين لي بالسكينة وطول العمر.
أحتاج دعائك يا أمي.

إدعِ لي يا أمي . . .
عندما ألفظ أنفاسي الأخيرة وأودع الدنيا.
حتماً سأحتاج حينها دعائك يا أمي.

أنتِ يا أمي زهرة عمري وجنتي في الدنيا وفي الآخرة.

إدعِ لي يا أمي . . .