هم جميعاً أبناؤنا ونتاج مجتمعنا ونتاج الإرث الثقافي والحضاري الذي نورثه لهم نحن جيل الآباء والأجداد.
وهم أيضاً نتاج طريقة تربيتنا لهم وتعاملنا معهم إن أخطأوا أو أحسنوا. وكل منا له نصيبه من تربية أبناء هذا الجيل سواءاً منا من رزقه الله بأولاد أو حتى من لم يرزقه.
و سواءاً منا من كان دوره مباشراً وإيجابياً في التربية كالمعلمين والكتاب والأساتذه وغيرهم و من كان دوره غير مباشر أو يعتقد أن دوره سلبياً ويكتفي بتربية أولاده وأداء النصح الخاص لهم.
كلنا مشتركون وكلنا جزء من منظومة التربية لكل أبناء مجتمعنا حتى وإن لم تربطنا بهم صلة قرابة أو صداقة من نوع ما. فنحن جميعاً مسؤولون عن الحالة العامة للمجتمع الذي ينشأ فيه هؤلاء الشباب.
يروى أن بعض المريدين كانوا يسيرون مع شيخهم فرأوا بعض الشباب في مركب في النهر يشربون ويغنون ويلهون فطلبوا من شيخهم أن يدعو الله عليهم فقال الشيخ "اللهم أدخلهم الجنة" فتعجب أصحابه من ذلك وقالوا له: "نحن نسألك أن تدعوا عليهم لا أن تدعوا لهم." فقال لهم الشيخ : "حتى يدخلهم الله الجنة فسوف يهديهم بداية إلى الطريق القويم في الدنيا وهذا أكثر فائدة لهم و للمجتمع من أن أدعو عليهم".
قال الله تعالى"ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل". هذه دعوة من الله تعالى إلى من ظلم بالقتل بعدم الإسراف في القصاص حيث أن القتل هو أصعب شئ على النفس أن تتقبله وأن تسامح من قام به. فأولى بمن ظلم بما هو أقل شأناً وخطراً من القتل ألا يسرف في الأخذ بحقه ممن ظلمه.
توجهت إلى بوابة القرية الشاطئية التي وصلنا إليها أمس وقت صلاة العشاء تقريباً بعد أن لاحظت أن هناك تجمعاً من بعض الملاك حول سيارة شرطة كانت تقف هناك في مشهد غير مسبوق ويصحبها ضابطين ومدير أمن القرية. وأنا أقر بأن الحدث الذي أفضى إلى هذا المشهد في حد ذاته لا يستحق كل هذه الأهمية ولكن ردة الفعل المفاجئة من بعض ساكني القرية هو ما دفعني إلى كتابة هذا التعليق. فقد قام أحد الشباب وهو مهندس يعمل في إحدى شركات البترول التي تزاول عملها بالمنطقة والذي يسكن بمفرده في أحد الشاليهات بمعاكسة إحدى فتيات القرية.
وبعد دقائق قليلة كنت قد ألممت بالموضوع بسرعة وبدون أن أسأل سؤالاً واحدً. ووقفت أراقب مايتوالى من أحداث. جاء بعد قليل أحد الملاك ليطمئن على سير الموضوع على حد قوله ثم قال" الولد ده إحنا عارفين الشركة إللي بيشتغل مهندس فيها وممكن نروح نشتكيه هناك".
وتعجبت كثيراً هل يصل بنا الأمر إلى حد الإضرار به في عمله وقد يصل الأمر إلى أن يفقد وظيفته أو على أقل تقدير يفقد إحترامه أمام رؤسائه ويفقد الهيبة أمام مرؤسيه. كل هذا لمجرد أننا قد امتلكنا القدرة على العقاب وأمسكنا بهذا الشاب متلبساً بالجرم المشهود. هل حب الإنتقام وشهوته أصبحت أمراً عادياً حتى ممن لم يقع عليه الظلم. هل هو النفاق المجتمعي الذي تفشى في مجتمعاتنا ويتباهى به الكثيرون بلا أدنى خجل.
حدث عادي جداً يحدث في كل مكان وفي كل وقت لا يستدعي كل هذا الإنفعال والتشنج المبالغ فيه. تحدث كل يوم أمام أعين الكثيرين أشياء أكثر خطراً من هذا ونجد هؤلاء أنفسهم يتظاهرون بأنهم لم يلاحظوا ما حدث ويتجنبون حتى أن ينظروا في وجه الفاعل وإذا حدث وتلاقت النظرات يبتسمون له كالمؤمنين على فعله جبناً وخوفاً من المواجهة.
لماذا يتناسى الجميع كبيرهم قبل صغيرهم أن هؤلاء هم جميعاً أبناؤنا ونتاج مجتمعنا ونتاج الإرث الثقافي والحضاري الذي نورثه لهم نحن جيل الآباء والأجداد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق