في ليلة مقمرة نظرت إلى السماء ثم تلفت حولي فلم أجده. اظطربت قليلاً وتسائلت كيف يمكنني العيش بدونه. درت حولي عدة مرات فلم أره في أي إتجاه.
سرت طويلاً أبحث عنه.
مررت بالمنزل الذي أسكن فيه ولم أستغرب أنني لم أحاول أن أدخل لألقي نظرة على عائلتي. زوجتي وأولادي الذين تركتهم نائمون في هدوء وسكينة وقطتي البيضاء التي أعتادت أن تنام على سريري تحت قدمي. لم أدخل حتى لكي أبحث عنه لعله يكون قد سبقني ودخل البيت مستأنساً بالدفء الذي يلف المكان في الداخل. نظرت إلى أعلى رأيت الشرفة والنباتات التي كنت أرويها كل صباح والكرسي الذي اعتدت الجلوس عليه في شمس الشتاء الدافئة وأنا أقرأ في كتابي.
أستمر في السير. أمر على المسجد الذي أصلي فيه على أطراف الصحراء المجاورة يحيط به السكون من كل جانب. مصباح أخضر اللون يضئ الهلال الذي يعتلي المئذنة القصيرة. الشيخ يفتح الباب بهدوء وهو يبسمل ويحوقل. ينسل الآن داخلاً في صمت وجلال يضئ مصباح صغير في الداخل يظهر نوره على إستحياء من خلال النوافذ الزجاجية الملونة ولكنه لا ينفذ إلى الفراغ الممتد خارج المسجد. هو الآن يتوضأ ثم يقرأ قليلاً متمماً ورد قرآنه ثم يؤذن لصلاة الفجر. بينما استيقظت مع حركته هذه الطيور الصغيرة التي استوطنت في إطمئنان الشجرة اللصيقة بجدار المسجد والتي تبدأ في الإستعداد ليومها المقبل. أمر أمام هذا المشهد المألوف ولا أفكر أن أدخل لأصلي أو حتى لكي أبحث عنه في الداخل ربما سبقني إلى الداخل وهو يصلي الآن أو يقرأ القرآن.
أواصل السير أرى في الطريق مدرستي وأشاهد كل التفاصيل التي بداخلها. حجرة دراستي وأنا طفل صغير ونوافذها الواسعة التي تطل على الشارع العريض في الخارج. المعلمة التي أحبها كوالدتي والتي تحنو علي كثيراً. صديقتي الصغيرة التي أرتاح إليها وهي تجلس بجانبي ونرتدي نفس الزي كباقي تلاميذ المدرسة. الساحة الداخلية التي نمرح فيها غير عابئين بهموم الأيام القادمة. غرفة الموسيقى. غرفة الرسم. مكتب أبله الناظره. لم أفكر أن أبحث عنه في داخل المدرسة فقد يكون مختبئاً في حجرة دراستي القديمة يمارس لعبتي المفضلة في الإختباء و مفاجئة الأصحاب .
لا أدري كيف وصلت بهذه السرعة من المسجد إلى المدرسة على الرغم من بعد المسافة بينهما حيث أنهما في حيين مختلفين حتى أني كنت أقود سيارتي طويلاً حتى أصل إليها.
سيارتي التي رأيتها أمام منزلي أثناء مروري السريع وندى الصباح الباكر يغطي سطحها البارد لم أحاول أن أستعملها وأنا أبحث عنه.
أدركت في مسيري السور الحديدي الذي يحيط بالجامعة التي تخرجت منها. كل الأبواب مغلقة الآن. بعض الكلاب الشاردة تنام آمنة قرب البوابة الرئيسية حركت آذانها حين مررت بها وفتحت أنصاف عيونها ثم أغلقتها وأكملت نومها. لم أحاول إجتياز المدخل ذو الباب العالي فقطعاً لن أجده في الداخل في إحدى القاعات أو في أحد المعامل.
أمر الآن ببيت العائلة أرفع بصري إلى أعلى لعلي أرى والدتي في النافذة حيث تقف مودعة لي حين أنزل إلى الشارع أو منتظرة حتى أرجع وكلها شوق وحنين لرؤيتي أعود سالماً. لكنني لم أرها في النافذة. لعلها تصلي الفجر الآن ولا تتوقع أن أكون أنا في الطريق أمر تحت شباكها وأتمنى رؤيتها تنظر إلي هذه النظرة الحانية . نظرت إلى نوافذ الجيران وشرفهم التي أعرفها جيداً وأعرف من يسكن وراءها لم يكن أي أحد منهم هناك. لم أصعد لأرى والدتي ولا لأبحث عنه عندها ربما يكون نائماً في سريري القديم في الغرفة المجاورة لغرفة أمي.
غير بعيد من منزل العائلة هنا المكتبة العامة التي اعتدت أن أقضي فيها ساعات طويلة أيام شبابي مبهوراً بما احتوته من كتب ساحرة وقارئاً للكثير منها. أرى أمين المكتبة بنظارته الطبية السميكة وجسده النحيل وهو يجلس إلى مكتبه في مواجهة الباب. كل الكتب التي قرأتها أراها مرصوصة في أماكنها على الأرفف الخشبية العتيقة. لم أصعد السلم الحجري الدائري لأدخل إلى المكتبة لأبحث عنه على أحد رفوفها أو في داخل أحد كتبها الغامضة.
مضيت أسير في كل الطرقات التي أعرفها و ألفتها طوال حياتي. أرى تفاصيلها على الجانبين وأرى نفسي وأنا حولها صغيراً ألهو وألعب وشاباً أزهو قوياً فتياً وكهلاً أتوكأ على ذاتي. لكنني لم أعثر عليه أيضاً في أي طريق من هذه الطرقات.
أكملت المسير حتى وصلت إلى أرض شاسعة إنتثر فيها في هدوء وسكون تام خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال فأتنست بهم ووجدت مكاناً قد أعد لي مسبقاً بينهم. كانوا كلهم صامتون ينظرون إلى السماء في هذه الليلة المقمرة فجلست بينهم في مكاني ورفعت نظري أنا أيضاً إلى السماء. كانوا جميعاً يفتقدون مثلي هذا الشئ الذي كنت أبحث عنه.
كانوا جميعاً مثلي بلا ظلال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق