الأربعاء، 16 مارس 2016

أمي .. قمر يطل على حياتي



من شباكها العالي تطل علينا دائماً.

إذا غادرنا تطل من شباكها تودعنا تدعو لنا حتى نغيب عن ناظريها. 

في موعد عودتنا تطل من شباكها تنتظرنا تدعو لنا حتى ترانا نعود في أمان.




شباكها العالى ترى منه جزءاً كبيراً من عمرنا فكم غادرنا صغاراً إلى مدارسنا ثم عدنا كهولاً نحمل أطفالنا.

ترى من شباكها هذا القطار الذي يمرعن بعد وتسمع صوته رحيله مسرعاً في قلب ليالي الشتاء الطويلة الباردة.

تستيقظ أمي قبل الجميع وتبدأ في إعداد وجبة الإفطار. الراديو يستقبل الصباح بأغنيات حفرت في وجداننا. لن يجئ الصباح إذا لم تكن هناك تلك الأغنيات. توقظنا أمي كل حسب ميعاده. تطل علي كل منا من شباكها حين نغادر المنزل. 
بعد أن ترفع بقايا طعام الإفطار تشرع أمي بعد ذلك في تنظيف البيت وترتيب الحجرات والأسرة . تنزل من البيت إلى السوق لتشتري ما ستعده لنا كوجبة الغداء. تعود للمنزل وتعد الطعام ثم تطل من شباكها مرة أخرى في انتظار طويل قلق حتى نعود.

كم أضاعت أمي سنيناً طويلة من عمر شبابها تنتظر عودتنا من ترحالاتنا في أرض الله الواسعة.


أشجار البنسيان بأوراقها الداكنة الخضراء وأزهارها البرتقالية الكثيفة تحجب الشارع المقابل للبيت من أوله وحتى آخره وتظلل بحنو دافئ على ثنائيات شابة فتية متأججة المشاعر تستند عند غروب الشمس إلى جذوعها العريضة. 


نحن عندما نغادر المنزل  وقبل أن نخطو إلى الشارع نلتفت إلى أعلى نلوح لها ونمضي. عندما نعود لابد أن نرفع رأسنا إلى الأعلى لنجدها في انتظارنا في شباكها. المرات القليلة التي عدت فيها للمنزل ولم أجدها شعرت بانقباض شديد على الرغم من علمي أنها تزور جدتي أو خالتي التي تسكن قريباً منا. يظل هذا الشعور بالفقد والوحدة يصاحبني حتى ترجع أمي إلى المنزل.



وكما تطل أمي علينا من شباكها العالي هي قمر كان ولايزال يطل على حياتي. لم تتدخل أبداً في أي قرار اتخذته ولم تلمني مطلقاً على خطأ ما ارتكبته أو سلوك ما انتهجته. كانت تعرف أنني سأصلح مساري وأعود كما تريدني هي. كانت تطل علي ولا تطل في داخلي.

من شباكها ترى هذه القبة الضخمة تملأ الفراغ المقابل. في شباك القبة العلوي المستدير تقطن عائلة من طائر الحدأة الضخم تنشغل في النهار بإطعام صغارها الذين نسمع صوتهم قريبا جداً منا  ونراها تحوم حائرة في السماء عند وقت الغروب في دوائر كبيرة تصغر شيئا فشيئاً حتى تهبط لتبيت في عشها.

تتحسس أمي كلماتها وهي تخاطبني حتى لا تجرح مشاعري وهي حريصة جداً على ذلك أكثر من حرصي أنا تجاهها. وكأن الله أمرها هي أن تبرنا وتحسن إلينا وتكرمنا كلما طال بها العمر. 

كنت طفلاً في العاشرة من عمري عندما أرسلت ناظرة المدرسة "أبله عائشة" في طلبي إلى مكتبها. كانت غرفتها الواسعة تمتلئ بالكثير من مدرسات المدرسة. عدلت من وضع نظارتها الطبية وسألتني عن حالة والدي الصحية. سمعت بكاء المدرسات ونحيبهن المكتوم من حولي وأنا أحكي لها كيف أن أمي أخذت أبي الذي طال مرضه إلى بلدتنا في الريف حيث يوجد طبيب ماهر هناك سوف يقوم بعلاجه ويعود إلينا صحيحاً معافياً وكيف أنها  عادت من دون أبي متشحة بالسواد.

منذ هذا اليوم تحملت أمي مسئوليتنا كاملة وحدها. ومنذ هذا اليوم انكفأت أنا علي ذاتي وتحملت جميع مشاكل حياتي وحيداً. فقد كان يلازمني الإحساس بأن فقدان أبي كان أكبر بكثير من أي مشكلة أخري يمكن أن أمر بها. انكفأت على ذاتي وتعلمت الصمت والكتمان.

وبعد أن كبرت وتزوجت وصرت أباً  مازالت أمي توصيني إذا خرجت من عندها أن أنتبه إلى الطريق. مازالت أمي توصيني ألا أخفف من ملابسي حتى لا أمرض. مازالت أمي  توصيني أن أتناول جميع وجباتي في وقتها. مازالت أمي توصيني بألا أطيل السهر حفاظاً على صحتي. مازالت أمي توصيني أن أذهب إلى الطبيب بسرعة إذا مرضت حتى لا يتأخر علي الشفاء. مازالت أمي توصيني أن أتناول دوائي في ميعاده.

مازالت أمي تبكي وأنا أودعها عند رحيلي الدائم إلى أرض الغربة.






كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه



السبت، 12 مارس 2016

لا رجم للزانية ... المسكوت عنه


أنا لا أختار المواضيع التي أكتب عنها ولكن المواضيع هي التي تختارني.

قد أعلم السبب الذي أثارني لكتابة موضوع ما وكثيراً لا أعلم. ولكن الأفكار تظل تتواتر في ذهني وتتراكم حتى أنني أخشى علي نفسي منها وأخشى عليها مني أن أضيعها فأسرع بكتابتها في أوراق هامشية أرجع إليها عندما أبدأ في الكتابة.

لا أدري لماذا تتلاحق المواضيع التي أكتبها ولكنها تبدأ بحلقات صغيرة متفرقة بعضها قديم جداً وبعضها قد استجد ولا تلبث أن تتجمع لتكون حلقة واحدة كبيرة تحيط بي وتأسرني في داخلها حتى أنفضها عن نفسي. وهي كالسحب تبدأ متناثرة في السماء ثم تدفعها الرياح تجاه بعضها البعض لتكون غيمة كبيرة تستعد لتهمي أمطارها سريعاً.


مفارقة في صحيح البخاري لها أكثر من معني.


يقول النبي في أكثر من حديث  "خالفوا اليهود والنصارى ... "

ويقول ابن عباس " كان الرسول يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ... "

هذه هي المفارقة في البخاري وفيما يلي بعض المعاني التي أود أن أتطرق إليها

  • أن البخاري كما ذكرنا سابقاً كان محققاً للأسانيد فقط وليس لمتون الأحاديث وإلا لما أورد أحاديثاً متناقضة كهذه تضعف من قيمة كتابه.
  • لم يتعمد النبي مخالفة أهل الكتاب على العموم من أجل المخالفة فقط وإنما فقط عندما يكون هناك حكم قرآني مختلف. وليس كما تعمد الكثيرون من أصحاب المذاهب أن يثبتوا لنا أن هذا من أصول الدين.
  • أن النبي  كان يتعامل مع أهل الكتاب على أن دينهم هو دين سماوي لا حرج في إتباع أحكامه فهو من عند الله ربنا وربهم.
  • أننا الآن ننتقي  من شريعة أهل الكتاب ما يوافق هوانا كالنقاب والرجم للزناة عند اليهود ثم أننا بعد ذلك لسنا فقط نختلف معهم فيما لا يحلو لنا بل و نكفرهم فيه أيضاً.

وسبب ذكري لما سبق هو عثوري على مقالة للدكتور مصطفى محمود ينكر فيها حد الرجم في الإسلام ويسوق أدلته من القرآن مباشرة حتى أنني بعد قرائتي للدليل الأول الذي استشهد به على ذلك لم أكن بحاجة إلى بقية الدلائل لأعلن قناعتي ولكنني تعجبت من حالة الجمود والقولبة التي تسيطر على تفكيرنا ونحن نقرأ القرآن ليل نهار وكيف أننا لم نتنبه بأنفسنا إلى هذه الدلائل البينة. 

وسبب نقلي لهذه المقالة أيضاً هي هذه المقاطع المصورة التي تصلنا من "داعش" وفيها توثيق عملي لتطبيق حد الرجم وما تلاقيه هذه المقاطع من عدم إستحسان عند عامة المسلمين.


سوف أنقل فيما يلي مقالة الدكتور كاملة كما وجدتها بلا أي تدخل أو تعديل مني وأحب أن أسمع تعليقاتكم بعد قراءتها.


مقال: لا رجم .. للزانية

لا رجم للزانية
لا .. رجم للزانية … للدكتور مصطفى محمود رحمه الله .
هذا الكتاب ( 193 صفحة )  و الصادر عن مكتبة مدبولي الصغير صادره الأزهر بدون إبداء أي أسباب ، حيث ألفه الدكتور مصطفي محمود وظهرت له مقالًا في جريدة الأهرام المصرية بتاريخ 5/8/2000
و وَرد في المقالة تسعة أدلَّة تُثبت من وجهة نظر الدكتور .. عدم وجود عقوبة الرجم في الإسلام  :
– الدليل الأوَّل :
أنَّ الأمَة إذا تزوَّجت وزنت فإنَّها تُعاقب بنصف حدِّ الحُرَّة ، وذلك لقوله تعالى : (( ومن لم يستطع منكم طَولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمِن ما ملكت أيمانُكُم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعضٍ فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ وآتوهنَّ أجورهنَّ بالمعروف محصناتٍ غير مسافحاتٍ ولا متخذات أخدانٍ فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنَّ نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خيرٌ لكم والله غفورٌ رحيم )) .
والرجم لا ينتصف .
وجه الدليل من الآية : قوله : (( فإذا أُحصِنَّ )) أي تزوَّجن (( فعليهنَّ نصف ما على المحصنات )) أي الحرائر . والجلد هو الذي يقبل التنصيف ، مائة جلدة ونصفها خمسون ، أمَّا الرجم فإنَّه لا ينتصف ؛ لأنَّه موت وبعده قبر ، والموت لا ينتصف .
– الدليل الثاني :
أنَّ البخاري روى في صحيحه في باب رجم الحُبلى : (( عن عبد الله بن أبي أوفى أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامديَّة . ولكنَّنا لا ندري أرجم قبل آية الجلد أم بعدها )) .
وجه الدليل : أنَّه شكَّك في الرجم بقوله : كان من النبي رجم . وذلك قبل سورة النور التي فيها : (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد مهما مائة جلدة )) . لمَّا نزلت سورة النور بحكم فيه الجلد لعموم الزُناة فهل هذا الحكم القرآني ألغى اجتهاد النبي في الرجم أم أنَّ هذا الحكم باقٍ على المسلمين إلى هذا اليوم ؟ . ومثل ذلك ، اجتهاد النبي في معاملة أسر غزوة بدر وذلك أنَّه حكم بعتقهم بعد فدية منها تعليم الواحد الفقير منهم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة ثمَّ نزل القرآن بإلغاء اجتهاده كما في الكتب في تفسير قوله تعالى : (( ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتَّى يثخن في الأرض )) .
وجه التشكيك : إذا كان النبي قد رجم قبل نزول القرآن بالجلد لعموم الزُناة فإنَّ الرجم يكون منه قبل نزول القرآن وبالتالي يكون القرآن ألغى حكمه ويكون الجلد هو الحكم الجديد بدل حكم التوراة القديم الذي حكم به ـ احتمالاً ـ أمَّا إذا رجم بعد نزول القرآن بالجلد فإنَّه مخالف القرآن لا مفسِّراً له ومبيِّناً لأحكامه ولا موافقاً له ، ولا يصحُّ لعاقلٍ أن ينسب للنبي أنَّه خالف القرآن ؛ لأنَّه هو المُبلِّغ له والقدوة للمسلمين ، ولأنَّه تعالى قال : (( قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون )) . والسُنَّة تفسِّر القرآن وتوافقه لا تكمِّله . وقال تعالى : (( وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس )) والألف واللام في ” الناس ” للعموم . وعلى أنَّهم كانوا مكلَّفين بالتوراة يُحتمل أنَّ النبي حكم بالرجم لأنَّه هو الحكم على الزانية والزاني في التوراة ولمَّا نزل القرآن بحكمٍ جديدٍ نسخ الرجم ونقضه .
– الدليل الثالث :
أن الله تعالى بين للرجل في سورة النور أنه إذا رأى رجلاً يزني بامرأته ولم يقدر على إثبات زناها بالشهود فإنه يحلف أربعة أيمان أنه رآها تزني وفي هذه الحالة يُقام عليها حد الزنا ، وإذا هي ردت أيمانه عليه بأن حلفت أربعة أيمان أنه من الكاذبين فلا يُقام عليها الحد لقوله تعالى : (( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )) .
وجه الدليل : هو أن هذا الحكم لامرأة محصنة . وقد جاء بعد قوله تعالى : (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )) وحيث قد نص على عذاب بأيمان في حال تعذر الشهود فإن هذا العذاب يكون هو المذكور في هذه الجريمة والمذكور هو : (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد مهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما )) أي العذاب المقرر عليهما وهو الجلد . وفي آيات اللعان : (( ويدرؤ عنها العذاب )) أي عذاب الجلد . وفي حد نساء النبي : (( يُضاعف لها العذاب )) أي عذاب الجلد ؛ لأنه ليس في القرآن إلا الجلد عذاب على هذا الفعل . وفي حد الإماء : (( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب )) المذكور في سورة النور وهو الجلد .
– الدليل الرابع :
قوله تعالى في حق نساء النبي : (( يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشةٍ مبينة يُضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً )) . عقوبة نساء النبي مضاعفة أي مائتي جلدة ، فالرجم الذي هو الموت لا يُضاعف . والعذاب في الآية يكون في الدنيا والدليل الألف واللام وتعني أنه شيء معروف ومعلوم .
– الدليل الخامس :
قوله تعالى : (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )) الألف واللام في (( الزانية والزاني )) نص على عدم التمييز بين الزناة سواءً محصنين أو غير محصنين.
– الدليل السادس :
قوله تعالى : (( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون )) . هنا ذكر حد القذف ثمانين جلدة بعد ذكره حد الجلد مائة . يريد أن يقول : إن للفعل حد ولشاهد الزور حد وانتقاله من حد إلى حد يدل على كمال الحد الأول وتمامه ، وذكره الحد الخفيف الثمانون وعدم ذكر الحد الثقيل الرجم يدل على أن الرجم غير مشروع لأنه لو كان كذلك لكان أولى بالذكر في القرآن من حد القذف .
– الدليل السابع :
قال تعالى : (( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً )) . الإمساك في البيوت لا يكون بعد الرجم ويعني الحياة لا الموت ؛ إذن هذا دليل على عدم وجود الرجم . وتفسير قوله تعالى : (( حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً )) . هو أن الزانيات يُحبسن في البيوت بعد الجلد إلى الموت أو إلى التوبة من فاحشة الزنا .
– الدليل الثامن :
قوله تعالى : (( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين )) . هنا حرم الله الزانية على المؤمن وهذا يدل على بقائها حية من بعد إقامة الحد عليها وهو مائة جلدة ، ولو كان الحد هو الرجم لما كانت قد بقيت من بعده على قيد الحياة . وقوله تعالى : (( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم )) لا يميز بين بكر وثيب إذ قوله (( من نسائكم )) يدل على عموم المسلمين ، وقوله (( أو يجعل الله لهن سبيلاً )) يؤكد عدم الرجم ويؤكد عدم التمييز بين البكر والثيب في الحد . وإن تابت الزانية أو الزاني فيندرجا تحت قوله : (( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما )) . فالتوبة تجب ما قبلها .
– الدليل التاسع :
يقول العلماء : إن الخاص مقدم على العام . ثم يقولون : والقرآن عام . ثم يقولون : وفي القرآن آيات تخصص العام . ثم يقولون : وفي الأحاديث النبوية أحاديث تخصص العام . أما قولهم بأن العام في القرآن يخصص بقرآن فهذا هو ما اتفقوا عليه وأما قولهم بأن الأحاديث تخصص عام القرآن فهذا الذي اختلفوا فيه لأن القرآن قطعي الثبوت والحديث ظني الثبوت وراوي الحديث واحد عن واحد عن واحد ولا يصح تخصيص عام القرآن بخبر الواحد .
وعلى ذلك فإن قوله تعالى : (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )) حكم عام يشمل الجميع محصنين أو غير محصنين . فهل يصح تخصيص العام الذي هو الجلد بحديث يرويه واحد عن واحد في الرجم ؟ ! . إن قلنا بالتخصيص والخاص مقدم على العام يلزم تفضيل كلام الراوي على كلام الله أو يلزم مساواة كلام الراوي بكلام الله وهذا لا يقول به عاقل ، وعليه يتوجب أن حكم الرجم ليس تخصيصاً لحكم الجلد .
يقول شيخ الإسلام فخر الدين الرازي عن الخوارج الذين أنكروا الرجم : (( إن قوله تعالى : (( الزانية والزاني فاجلدوا )) يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة . وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد وهو غير جائز لأن الكتاب قاطع في متنه بينما خبر الواحد غير قاطع في متنه والمقطوع راجح على المظنون )) .
ولو أن رواة الأحاديث قد اتفقوا على الرجم والنفي ( التغريب ) لأمكن أن يُقال إن إجماعاً من المسلمين موجود عليهما . ولأنهم لم يتفقوا وقع الريب في قلوب المسلمين من جهة الرجم والنفي . وفي الحديث : (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )) ففي حديث : (( خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به وخلوا سبيله )) أمر بالجلد ولم يأمر بالتغريب . وفي حديث الأمَة : (( إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير )) ولو كان النفي ثابتاً لذُكِر هنا مع الجلد . وروى الترمذي أنه عليه السلام جلد وغرّب ، وهذا تناقض .
الرجم عقوبة جاهلية توارثها العرب والمسلمون وما كان لها بالقرآن صلة .
فلقد ذكرت كلمة رجم خمسة مرات في الكتاب المقدس عن شعوب سلفت نزول التحكيم الإسلامي وهو كالآتي:
{قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }هود91
{إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }الكهف20
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً }مريم46
{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }يس18
{وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ }الدخان20
كل هذه الآيات الكريمة القرآنية تثبت أن الرجم غير مقبول في الإسلام كوسيلة ردع المنحرف عن شريعة الله ومن تكبَّده أو هُدِّد به عبر التاريخ البشري قبل نزول القرآن وبعده كان تسلطا وطغيانا كما تنص الآيات الصريحة !
===
بقلم: د. مصطفى محمود رحمه الله

كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه

الخميس، 10 مارس 2016

عذاب القبر ونعيمه



"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"




في خطبة الجمعه حكي لنا الخطيب حكاية مؤثرة جداً.

"ذلك أن أماً بعـد أن دفـنـت إبـنـتـها ورجـعت إلى البيت إكتشفت أن كيـس نـقودها قـد وقع منها في مكان الدفن. فذهب إبنها ليـبـحـث عـنه هناك فرجع إلى أمه يـسألها: ماذا كانت تفعل أختي حتى أني لما وضعت يدي في الرمل أبحث عن الكيس وجدت الرمل حاراً جداً كأن هناك ناراً تشتعل تحته مكان قبر أختي. فـقـالت له أمه إن أخـتك لم تكن تصلي."

بعد هذه الجمعة إمتنعنا أنا وإبني عن الصلاة في هذا المسجد. وأخشى أن يكون إبني قد إمتنع عن صلاة الجمعة أو عن الصلاة عموماً بسبب مثل هذا الخطيب الذي ساق لنا حكاية مرسلة بدون أي سند أو دليل أو منطق بديهي واستشهد بها علينا أن من يترك الصلاة سوف يلقى نفس المصير.

انا لا أخاف من الموت أو من القبر وعذابه أو حتى أحلم بنعيمه.

وقبل أن يظن بي أحدٌ سوءاً أو يتهمني "بإنكار ماهو معلوم من الدين بالضرورة" ثم يكفرني ويستحل كل الناس دمي فيقتلني من يستطيع إلى ذلك سبيلاً تقربا إلى الله أو على أقل تقدير أسجن بتهمة "إزدراء الدين الإسلامي" أريد أن اشرح لماذا. 

أنا عندما أموت لن أكون أنا.

فهذا الجسد لن يتمتع بأي مزايا حسية لأنه فانٍ بطبعه وهذا العقل الذي يترجم الأحاسيس ويحدد ردود الأفعال المناسبة تجاهها من بهجة أو خوف سوف يفنى قطعاً هو أيضاً بفناء الجسد لأنه جزء منه. فماذا يبقي منا إذن ؟ لا شك أنها  الروح التي ستبقى.

ولقد قال الله تعالى "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

إذن ما سيبقى منا هي الروح التي لا نعلم من أمرها شيئا. ونحن لا نعلم ماذا تحب الأرواح أو ماذا تكره. ولا نعلم إذا كانت الروح ستضيق بضيق القبر وظلمته أو لا ولكننا نقيس بما نحسه نحن الآن من أننا نضيق إذا وضعنا في مكان ضيق مظلم.

فإذاً أنا لن أكون أنا ولا أعرف ما سأكون عليه فكيف أحكم أنني سأخاف أو أضيق أو أنني سأنعم أو أتلذذ. أنا هنا أكتفي بأن أحيل الأمر كله إلى الله عز وجل فيما أخبرنا به في قرآنه.



وأنا أفكر دائما في أختي التي رحلت منذ سنين عديدة وكانت تخاف جداً حتى من أشياء بسيطة لا يخاف منها أحد وأتسائل كيف احتملت ظلمة القبر ووحشته كما يقولون عنه. هل هربت من شدة خوفها ورجعت إلينا. لم يحدث ذلك منها أو من أي أحد آخر. 

فنحن  بعد الموت نتكلم عن طبيعة أخرى مغايرة تماماً لما نحن عليه الآن ولا ندري عنها شيئا ولن يفيدنا كثيراً أن نتعلل بالخوف أو بالنعيم الذي لا نعلم كيف سيكون موقفنا حياله ونحن في هذه الهيئة المجهولة بعد الموت كي نعمل عملاً صالحاً أو نقلع عن آخر سيئاً ونحن على هيئتنا الحالية قبل الموت.

وكفانا ما أثير في بعض الشباب من غرائز جنسية تتمثل في تشويقهم للحور العين حتى يقتلوا أنفسهم طمعاً في الشهادة ليحظوا بالأعداد الكبيرة منهم واللاتي تنتظرهن في الجنة. ولا زلت أذكر هذا الرسم الكاريكاتوري في أحد الصحف الغربية والذي يمثل خازن الجنة يقف عند بابها ويخاطب انتحارياً مازال دخان التفجير يتصاعد منه وقد صعد لتوه  ليدخل الجنة ويستمتع بالحور العين ولكنه يصاب بالإحباط عندما يخبره خازن الجنة  بأنه لم يبق منهن فائض له. هكذا فطن الغرب إلى أن المسلمين الإنتحاريين يقاتلون من أجل إرضاء غريزتهم واتخذوا دينهم غطاءاً شرعياً لذلك. 

وقد أثارني جداً هذا المقطع المصور الذي وصلنا اليوم وفيه يجلس شخصٌ ما أمام قبر مفتوح ويدعونا إلى حبه وعدم الخوف منه. وكم تمنيت أن أدعوه لينزل بنفسه في القبر ويُغلق عليه ولو حتى ليومٍ واحدٍ ثم يخرج بعد ذلك ليقسم لنا أنه أحبه ولم يخف منه وذلك مع الأخذ في الإعتبار علمه المُسبق بأنه سيُفتح عليه ليخرج منه.

وإذا تأملنا قليلاً نلاحظ أن الشيطان بكل مانتصوره عنه من قبحٍ وسوء منظر  وكل ما يقع في أنفسنا من تخيلاتٍ لصورته وصفاته الكريهة التي  صورها لنا من لم يشاهدوه لم يكن مذموماً عند الله الذي خلقه على هذه الصورة والذي هو جميل يحب الجمال حتى أمره بالسجود فعصى. وينسحب هذا المنطق أيضاً على الملائكة التي نعتقد كلنا في جمالها. فحتى مقاييس القبح والجمال لا نعلم عنها شيئا في العوالم الأخرى. 


ولا أستطيع أن أنكر عذاب القبر ونعيمه أو أثبته فذلك مما اختلف فيه الكثيرون وأنكره كثير من المفكرين مثل د. مصطفى محمود والأستاذ جمال البنا وغيرهما. كما أنكره الشيخ الشعراوي إذ يقول "لا عذاب قبل الحساب والحساب في الآخرة" وهذا هو رابط حديث الشيخ كاملاً https://www.youtube.com/watch?v=dMOZQ5LwKA0

ولكي أخرج أنا من هذا المأزق العميق فإنني أدعو الله " اللهم أجرني من عذاب القبر إن كان حقاً وأستعيذ بك أن أُضل أو أَضل إن لم يكن حقاً ".






كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه








الأحد، 6 مارس 2016

صلاة الضحى




"إذا أنعم الله عليك بطاعة فلا تُفلتُها منك"



الطاعات التي ينعم الله بها علينا هي نفحات من رضاه يُنْزِلُها عز وجل على من يحب من عباده.



وهذه النفحات شحيحة جداً لا لإن الله يبخل بها علينا سبحانه ولكننا نحن بإبتعادنا عنه نرفض عطاياه الجزيلة التي يعرضها علينا في كل الأوقات والأزمان والتي قد لا نراها أبداً إذ تحجبنا عنها معاصينا المتلاحقة.



فإذا وفقك الله لإحدى هذه الطاعات فتمسك بها واعلم أنك غير آمن من فقدها. قال "سفيان الثوري" وهو من النساك: "حرمت قيام الليل ستة أشهر لذنب ارتكبته" فسئل عن الذنب فقال:"رأيت رجلاً يبكي فقلت مُرائي".



وقد هداني الله لأن أصلي صلاة الضحي وأن أداوم عليها منذ فترة طويلة وهذا فضل من الله وتوفيق منه لا أدعي لنفسي فضلٌ فيه على الإطلاق.








وصلاة الضحى كما هو إسمها تُصلى في وقت الضحى وهذا أمر بديهي جداً.



ولأنني أكون في عملي في هذا الوقت من النهار فقد أتأخر مرة عن الميعاد الذي قدرته لنفسي لأدائها وقد أتقدم. فأردت أن أعرف رأي الشرع في تحديد وقتها متى يبدأ  ومتى ينتهي.


وتصادف أن إستمعت إلى أحد الشيوخ يتكلم عن صلاة الضحى فأصغيت بشدة لكي أعرف ما جهل علي. وكان كلام الشيخ صريحاُ وواضحاً جداً في تحديد بداية وقت صلاة الضحى: "عندما يبلغ ظل الشمس مقدار رمح".


شغلتني هذه العبارة عن بقية حديث الشيخ فلم أنتبه إلى تحديده لآخر وقتها. وأخذت أفكر ما هو البديل الذي يمكنني أن أستعمله لقياس الظل وخاصة أنني قد فقدت رمحي منذ فترة طويلة ولا أذكر مكانه الآن. ثم انتبهت إلى أننا في عصر تعز فيه الرماح.



وبدأت البحث في المواقع المعتبرة عن هذه المعلومة التي ألحت علي معرفتها. وكان الجواب أيضاً في جُل هذه المواقع متطابق جداً لأنهم كلهم ينقلون عن مصدر واحد لازلت أجهله. أما الإجابة فكانت أبسط مما أتصور تحسرت بعدها على مدى جهلي:   " صلاة الأوابين حين ترمِض الفِصال".



دخل صديق لي معروف بانتمائه الديني مكتبي وأنا أصلي الضحى وبعد أن انتهيت من الصلاة قال لي أنه يصليها قبل خروجه من  المسجد بعد أدائه لصلاة الفجر. تعجبت من ذلك وتذكرت ما قرأته عن "عمر بن الخطاب" إذ شاهد من الناس من يصلي صلاة الضحى في غير وقتها فقال: " ألا يعلمون أنها أثوب لو صلوها في وقتها".



قلت لصديقي وأنا أستدرجه "ليس هذا بوقتها وصلاتك الضحى في وقتها أثوب" فاستجاب مباشرة لإستدراجي له وسألني "وما هو وقتها". فبادرته على الفور وأنا أتظاهر بانشغالي بأوراق غير هامة على مكتبي "عندما يبلغ ظل الشمس مقدار رمح" وقبل أن يفيق من حيرته في فهم ماقلته أنا ببساطة شديدة تنم عن سهولة الإجابة التي جهلها هو أعقبت بسرعة : "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال".



إبتسمت في وجه صديقي الحائر وأنا أتذكر حيرتي ومحاولاتي لكشف وتحديد وقت صلاة الضحى  ثم اشفقت عليه وبدأت أفسر وأحلل له معاني الكلمات ومدلولاتها وأنها أحاديث نبوية صححها العلماء.



ولا أقصد هنا التندر على هذه الأحاديث إن صحت  ولكن أما كان يجدر بهذه المواقع وبهذا الشيخ العالم الذي درس هذه الأحاديث أن يقولوا لنا مباشرة صلاة الضحى من الساعة كذا إلى الساعة كذا فينظر كل منا في ساعته ويقوم للصلاة بدلاً من إحالة الجواب للرماح والبعير.




ملحوظة: على كل من يقرأ هذا المقال ألا يسألني بعده عن وقت صلاة الضحى فأنا لازلت لا أعلمه على وجه الدقة.



والله الموفق.











كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه












الخميس، 3 مارس 2016

إسلام بحيري .. يوسف زيدان .. والمسكوت عنه



عرفته عن طريق "عزازيل".


وعزازيل هو إسم من أسماء الشيطان في إحدى اللغات القديمة قد تكون العبرية أو السيريانية. وما يعنيني هنا هو أن الكلمة هي إسم لرواية جميلة ممتعة تتحدث عن فترة زمنية مجهولة بالنسبة لنا وهي فترة إعتناق الدولة الرومانية للديانة المسيحية والصراع بين المتدينين الجدد والوثنيين في الإسكندرية. 




كاتب الرواية هو د. "يوسف زيدان" الغني عن التعريف. أنشأ إدارة المخطوطات بمكتبة الإسكندرية وكان رئيساً لها.



تتركز أعمال زيدان في موضوع التصوف الفلسفي في مرحلة النضوج، وهو أحد أكثر مباحث التصوف الإسلامي تعقيدا، نظرًا لتواشجه بالعديد من الأفكار والمذاهب الفلسفية. وتتوزع أعماله على فروع التصوف الإسلامي والفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم العربية (بخاصة الطب) والنقد الأدبي وفهرسة المخطوطات العربية.




شاهدت مقطعاً مصوراً للدكتور يوسف زيدان وهو يلقي محاضرة ويتطرق فيها لنقد "إسلام بحيري". وأعترف أنني دائماً ما أزداد علماً وثقافة عندما أستمع إليه أو أقرأ أحد كتبه أو مقالاته فأنا من محبيه وكذلك إبني على إختلاف أعمارنا وخلفيتنا الثقافية بل واهتماماتنا.


عاب الدكتور يوسف في هذا المقطع على إسلام أنه تعرض للبخاري ووصفه بالجهل. ونتوقف هنا وقفات إجبارية.


الوقفة الأولى هي: ماذا عني إسلام  بكلمة "البخاري" هل عني الشخص الكاتب أم عني الكتاب المقروء؟ في الغالب المعني هو الكتاب وإذا إستمعنا إلى كثير ممن يتكلمون في الحديث النبوي تجدهم يذكرون كلمة "البخاري" ويقصدون بها كتاب "صحيح البخاري". ولا أعتقد أن هناك خصومة ما بين إسلام وشخص الرجل تحمله على إهانته أو النقص من قدره وقد قضى الرجل منذ قرون عديدة.


والوقفة الثانية هي: هل استمع الدكتور للحلقة كاملة أو أنه فقط أُستقطعت له مشاهد تتضمن هذه الكلمات لكي يشاهدها و يعلق عليها. وهذا ما لفت إسلام أنظارنا إليه وهو ما يسميه "الإجتزاء " أي إخراج الكلمات من سياقها الذي قيلت فيه وتفسيرها على غير ما يعنيه قائلها.




ما قاله الدكتور يوسف زيدان بعد ذلك هو الأهم بالنسبة لنا: " البخاري في تحقيقه للأحاديث النبوية كان يحقق السند فقط دون تحقيق المتن. إذا أردنا أن نبحث في متون الأحاديث فالمجال مفتوح وقد سبق في ذلك علماء أجلاء مثل أبن الصلاح وغيره .." 

ويقول الدكتور أيضاً " أنه متبني لفكرة يطرحها وهي عدم الإحتجاج بالحديث في هذه الفترة كي لا نزيد الأمر إضطراباً"

وهذا أخطر ما سمعته وأعتقد أن الكثيرين لم يسمعوا بهذا من قبل مثلي تماماً. 


ولمن قد يلتبس عليهم الأمر : الحديث النبوي ينقسم إلى سند ومتن. السند هو الرواة الذين تناقلوا الحديث منذ أن سمعه أولهم من الرسول بنفسه حتى آخر شخص رَواه وكُتب عنه. والمتن هو كلام الرسول موضوع الحديث الذي قاله بنفسه وسمعه أوائل الرواة ثم نقلوه إلى غيرهم.



ولشد ما فاجأتني هذه الحقيقة لشد ما أيضاً أراحتني كثيراً. فهي دفاع عن البخاري وكتابه الذي برأه الدكتور من تحقيق المتن وفي نفس الوقت هي دفاع عن إسلام الذي هاجم المتن في بعض الأحاديث كما قال لعدم إتفاقه مع القرآن.


التساؤل الخطير هنا هو كيف سنتعامل نحن من الآن فصاعداً مع كتاب "صحيح البخاري" بعد معرفتنا لهذه الحقيقة المؤكدة. بل لعلني لا أُبالغ إذ أقول لماذا سيلجأ أي أحد منا إلى الكتاب إلا إذا كان يريد أن يتعلم حديثاً نبوياً يُفيد منه في حياته ويُؤجر عليه في آخرته. فإذا كان متن الأحاديث فيه غير محقق فبماذا سيفيدنا معرفة من تناقلوا هذه الأحاديث؟


إذن فالكتاب لا يتعدى كونه أول حلقة من حلقات بحث لم يكتمل. وما كان أجدرنا إذا كنا نريد الفائدة حقاًً أن نلجأ إلى آخر حلقة من حلقات هذا البحث التي لا أعلم أين هي أو إذا كان لها وجود أصلاً !!


التساؤل الثاني هو: إذا كان الدكتور يوسف زيدان يعرف هذه الحقيقة فالمنطق يقودنا إلى كثير ممن هم أعلم بها منه وأقصد بهم علماء المسلمين الذين حفظنا عنهم مقولة أن "صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله". فلماذا تركونا على هذا الجهل المتعمد؟ ولماذا سكتوا عن الحق؟


وهل سيشفع لنا في آخرتنا أن نلقي اللوم عليهم فنكون مثل من أخبر الله عنهم: 

"قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ"

أو سيشفع لنا أن نقول: "رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"


وإذا كان إسلام هو أيضاً يعلم هذه الحقيقة فهو محق في هجومه على الكتاب الذي إعتنق الناس أحاديثه لقرون طويلة واتخذوها دستوراً لحياتهم وعملواواستشهدوا بها فيما بينهم في حياتهم وتعاملاتهم وزواجهم وطلاقهم وميراثهم و.. وحتى فيما بينهم وبين الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى وممن ليس لهم دين.


إذن فلقد هاجم إسلام الكتاب لما هو مستعملٌ فيه فعلاً بغض النظر عن الغرض الذى كُتب من أجله.


ولولا أن إسلام قد هاجم الكتاب ما كنا سمعنا بحديث الدكتور ولا مقولة أحد علماء الفضائيات "نحن نحترم البخاري ولا نقدسه".





كاتب هذا المقال/ عاطف أبو شوشه

















الأربعاء، 2 مارس 2016

تنظيم ثورة مصر - رفض التطبيع







من لايعرف يحيا مرتاح البال
ولأني يا زهرة صبار الأيام المالحة الأشواق عرفت
عانقت التجوال
وشربت مرارة أيامي
وتمنيت الموت

"الحب والمدينة - محمد مهران السيد"




ولدت "منظمة ثورة مصر" في 1984، ودشنت وجودها بعملية الهجوم على "زيفي كيدار" أحد أعضاء الموساد عند خروجه من بيته في المعادي (يونيو 1984). وقد أصيب كيدار بجرح في يده نتيجة لطلق ناري ونقل إلى مستشفى السلام بالمعادي. وأعقب ذلك ثلاثة عمليات بواقع عملية كل عام حتى تاريخ القبض علي المنظمة في سبتمبر 1987، ليكون كل عمرها أربعة أعوام.




محمود نور الدين

أسس المنظمة "محمود نور الدين"، ضابط مخابرات مصري كان يعمل بالسفارة المصرية بلندن وله علاقات متعددة ومتشابكة مع بعض رجال الحكومة إضافة إلى علاقاته مع رجال الفترة الناصرية التى انتمى إليها بأفكاره مع أخوه أحمد عصام وخالد جمال عبد الناصر وثلاثة أعضاء آخرين من القوات المسلحة ونظمي شاهين الذى كان صديقا لأحمد عصام وعمل بعد انضمامه للتنظيم كسائق لمحمود نور الدين، وقام نظمي بتجنيد كلا من حمادة شرف (طالب) وسامى فيشة (كهربائي).
نظمى شاهين كان العامل الحركى فى التنظيم، فهو ابن البلد بخلاف محمود نورالدين، ضابط المخابرات السابق والعقل المدبر للتنظيم، وخالد عبدالناصر، الاسم الجاذب لتمويل العمليات عربيا.

وكما قال نورالدين في تحقيقات النيابة: "اختمرت في ذهني فكرة مقاومة الضغوط الصهيونية التى شعرت أنها واقعة على القيادة السياسية في مصر وتمارسها أمريكا وإسرائيل خاصة في مجال التطبيع، فأسست منظمة ثورة مصر من بعض ضباط القوات المسلحة المصرية وبعض المدنيين".


أخذت المنظمة، التى رفضت "كامب ديفيد"، على عاتقها مكافحة الوجود الصهيوني على أرض مصر بالسلاح مع إصدار بيانات لإعلان مسؤليتها عن كل عملية قامت بها، مع الأخذ في الاعتبار وجود جزء من مصر كان لا زال واقعا تحت الاحتلال أثناء قيام المنظمة بعملياتها، وهو طابا.




العملية الثانية التى قام بها التنظيم كانت ضد مسؤول الأمن بالسفارة الإسرائيلية، وتمت بعد مراقبة أماكن تواجد البعثة الإسرائيلية بالمعادى، وعلى أثر المراقبة تحدد الهدف، وفى 20 أغسطس 1985 قام أربعة من التنظيم، هم محمود نورالدين ونظمى شاهين وحمادة شرف وسامى عبدالفتاح بإطلاق النارعلىضابط الموساد "ألبرت أتراكشى" «37 سنة» وزوجته وسكرتيرته الشخصية، والحادث كان بالقرب من بيت السفير الإسرائيلى، وصدر بيان المنظمة ليعلن عن اغتيال أتراكشى وإرساله إلى الجحيم.




العملية الثالثة كانت فى مارس 1986 وعرفت بـاسم «عملية معرض القاهرة الدولى»، وجاءت على خلفية مشاركة إسرائيل فى سوق القاهرة الدولى بأرض المعارض بمدينة نصر. 

يتحدث نظمى شاهين عن هذه العملية قائلاً: "بعد كده جهزنا لعملية معرض القاهرة للكتاب. الطلبة لما عرفوا بمشاركة إسرائيل عملوا مظاهرات وحرقوا العلم الإسرائيي والأمريكي وهتفوا" ثورة مصر طريق النصر" وذلك بعد أن حفرت المنظمة لنفسها مكانا فى قلوب المصريين. واتقبض على ناس كتير منهم، والحكومة بقت في حرج، فقررنا نختار هدف وكانت ضابطة الموساد "إيلي تايلور"، ودي كانت مديرة الجناح الإسرائيلي. وشاركت في العملية دي مع محمود وأحمد عصام وجمال عبد الحفيظ ومحيي عدلي، ودي كانت عملية صعبة لأننا كنا خايفين نصيب أي مصري، عشان كدة سمينا العملية دي بالمغامرة المحسوبة. وكان رد الفعل على العملية إن فيه ناس زغردت وهي خارجة من المعرض بعد ما شافونا بنهاجم الصهاينة. التغطية الإعلامية بعد العملية دى كانت قوية وقالوا إن التنظيم ده قوي ودقيق ومصري وعامل حساباته كويس."





أما العملية الرابعة والأخيرة، فقد وجهت إلى الوجود الأمريكى وارتبطت بعدد من الأحداث، منها ما قاله نور الدين: "إلغاء ريجان زيارة مبارك للولايات المتحدة الأمريكية، ورفض الحكومة الأمريكية زيادة المساعدات أو جدولة الديون أو تخفيض الفوائد، علاوة على الضغوط الأمريكية المستمرة للخضوع للمطالب الإسرائيلية المجحفة. أما أقوى دافع لنا للقيام بهذه العملية ضد رجال ريجان في مصر وأعضاء المخابرات المركزية الأمريكية هو ما شعر به كل المصريين، وباعتراف الرئيس مبارك شخصيا، من ذل ومهانة وإذلال لكرامتنا وكرامة المصريين حين صعدت الطائرات الأمريكية الحربية واختطفت الطائرة المصرية المدنية وأجبرتها على الهبوط وقامت بتفتيش جميع ركابها ولم يحرك أحد ساكنا على المستوى الرسمى في القيادة السياسية، ولذلك قررنا في ثورة مصر أن نقوم بعمل عسكري ضد الأمريكيين لمحو العار الذي لطخونا به.

أما السبب الرئيسى لخطف الطيارة المصرية، فقد كان هو القبض على أبو العباس الفلسطيني ومعه أربعة من المتهمين بخطف السفينة أكيلي لاورو الإيطالية الذين قاموا بخطف السفينة من أجل المساومة على الإفراج عن 50 فلسطينيا بالسجون الإسرائيلية. حيث وصلت السفينة إلى بورسعيد، وهناك سلم المختطفون أنفسهم وطلبوا نقلهم إلى تونس، فتم نقلهم في طائرة ركاب مصرية تابعة لمصر للطيران، وأثناء توجهها إلى أثينا بعد أن رفضت تونس استقبالها بناءً على محادثة تليفونية من ريجان إلى الرئيس التونسي وقتئذ بورقيبة، أجبرتها الطائرات الحربية الأمريكية على الهبوط في إحدى قواعد حلف الاطلنطي، لكن وصول قوات إيطالية منع القوات الخاصة الأمريكية من القبض على أبو العباس والمختطفين الأربعة. حيث قامت بتهريب أبوالعباس، بينما مثل المختطفون الأربعة أمام المحكمة الإيطالية .



وكما هو الحال مع أغلب التنظيمات الثورية لم يتم اختراق "ثورة مصر" من خارجه بل من داخله، وجاءت الخيانة من أقرب الناس لنور الدين وهو شقيقه "أحمد عصام" الذي لجأ إلى السفارة الأمريكية في القاهرة عارضا عليها كافة معلوماته عن التنظيم وأعضاؤه مقابل حصوله على الجنسية الأمريكية ومبلغ نصف مليون دولار ورغم ذلك فلم يحصل "أحمد عصام " على ثمن خيانته المرجو بل قامت السفارة بتسليمه إلى الأمن المصري مع بقية أعضاء التنظيم الذين تم إلقاء القبض عليهم في أواخر عام 1987.

وقبل الكشف عن القضية خرج خالد إلى يوغسلافيا التى كانت قائمة وقتئذ، وعاش فيها ثلاث سنوات، تحت رعاية القيادة اليوغسلافية، وهى القيادة التى رافقت الزعيم اليوغسلافى تيتو، الذى ارتبط بعلاقة وطيدة مع جمال عبدالناصر، وتواصلت هذه العلاقة بين أسرتى الزعيمين بعد وفاتهما. 


وفى يوغسلافيا ظل خالد يزود نفسه بالمعرفة، حيث كانت القراءة هى همه الأول، وتلقى هناك طرودًا للكتب فى السياسة والشعر والأدب والتاريخ، أرسلها إليه الكاتب الكبير "محمد حسنين هيكل"، وهناك افتتن بشعر أمل دنقل، وخاصة قصيدة «لا تصالح» وقصيدة «زرقاء اليمامة»، وكان يرددهما كثيرًا لزائريه، كما كان يعشق أدب نجيب محفوظ وجمال الغيطانى خاصة رائعته «التجليات».



يقول نظمى شاهين: "معظم المحامين في هذه القضية كان دفاعهم كله عن خالد عبد الناصر. وطبعا خالد أخد براءة على الرغم إنه كان معانا في التنظيم. هو في الأول هرب برة مصر إلى لندن ثم يوغوسلافيا، وقام أحمد الخواجة نقيب المحامين الأسبق بالسفر إليه لهندسة العلاقة بينه وبين الحكومة، وضمن له حكم البراءة، وبناءً عليه حضر إلى القاهرة وبقي يقف معانا في القفص، ووجهت له تهم تمويل التنظيم وإمداده بالأسلحة وأنكر هو من ناحيته كل صلته بالتنظيم، والوحيد اللي مارضيش يعترف عليه هو محمود، لأنه افتكر إن وجود خالد خارج السجن هايخليه يبذل محاولات للإفراج أو لتخفيف الحكم عننا، بالإضافة إن محمود كان فاكره هاياخد باله من بناته. لكن طبعا مافيش أي حاجة من دي حصلت، وكل الكتب اللي طلعت عن تنظيم ثورة مصر كان همها الأول والأخير تبرئة ابن الزعيم مع إسباغ الوطنية عليه لعلاقته بالتنظيم".



تم تبرئة خالد نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع أربعة متهمين آخرين، في حين حكم على نور الدين بالسجن 25 عاما ولم يغب عن المحاكمة –بالطبع- دور الصحافة الرسمية المصرية التي سعت إلى تصوير أعضاء التنظيم ك"إرهابيين" ومدمني مخدرات ولكن ذلك لم يؤثر على حجم التعاطف الشعبي الهائل الذي بدا واضحا خلال المحاكمة.