من شباكها العالي تطل علينا دائماً.
إذا غادرنا تطل من شباكها تودعنا تدعو لنا حتى نغيب عن ناظريها.
في موعد عودتنا تطل من شباكها تنتظرنا تدعو لنا حتى ترانا نعود في أمان.
شباكها العالى ترى منه جزءاً كبيراً من عمرنا فكم غادرنا صغاراً إلى مدارسنا ثم عدنا كهولاً نحمل أطفالنا.
ترى من شباكها هذا القطار الذي يمرعن بعد وتسمع صوته رحيله مسرعاً في قلب ليالي الشتاء الطويلة الباردة.
تستيقظ أمي قبل الجميع وتبدأ في إعداد وجبة الإفطار. الراديو يستقبل الصباح بأغنيات حفرت في وجداننا. لن يجئ الصباح إذا لم تكن هناك تلك الأغنيات. توقظنا أمي كل حسب ميعاده. تطل علي كل منا من شباكها حين نغادر المنزل.
بعد أن ترفع بقايا طعام الإفطار تشرع أمي بعد ذلك في تنظيف البيت وترتيب الحجرات والأسرة . تنزل من البيت إلى السوق لتشتري ما ستعده لنا كوجبة الغداء. تعود للمنزل وتعد الطعام ثم تطل من شباكها مرة أخرى في انتظار طويل قلق حتى نعود.
كم أضاعت أمي سنيناً طويلة من عمر شبابها تنتظر عودتنا من ترحالاتنا في أرض الله الواسعة.
أشجار البنسيان بأوراقها الداكنة الخضراء وأزهارها البرتقالية الكثيفة تحجب الشارع المقابل للبيت من أوله وحتى آخره وتظلل بحنو دافئ على ثنائيات شابة فتية متأججة المشاعر تستند عند غروب الشمس إلى جذوعها العريضة.
نحن عندما نغادر المنزل وقبل أن نخطو إلى الشارع نلتفت إلى أعلى نلوح لها ونمضي. عندما نعود لابد أن نرفع رأسنا إلى الأعلى لنجدها في انتظارنا في شباكها. المرات القليلة التي عدت فيها للمنزل ولم أجدها شعرت بانقباض شديد على الرغم من علمي أنها تزور جدتي أو خالتي التي تسكن قريباً منا. يظل هذا الشعور بالفقد والوحدة يصاحبني حتى ترجع أمي إلى المنزل.
وكما تطل أمي علينا من شباكها العالي هي قمر كان ولايزال يطل على حياتي. لم تتدخل أبداً في أي قرار اتخذته ولم تلمني مطلقاً على خطأ ما ارتكبته أو سلوك ما انتهجته. كانت تعرف أنني سأصلح مساري وأعود كما تريدني هي. كانت تطل علي ولا تطل في داخلي.
من شباكها ترى هذه القبة الضخمة تملأ الفراغ المقابل. في شباك القبة العلوي المستدير تقطن عائلة من طائر الحدأة الضخم تنشغل في النهار بإطعام صغارها الذين نسمع صوتهم قريبا جداً منا ونراها تحوم حائرة في السماء عند وقت الغروب في دوائر كبيرة تصغر شيئا فشيئاً حتى تهبط لتبيت في عشها.
تتحسس أمي كلماتها وهي تخاطبني حتى لا تجرح مشاعري وهي حريصة جداً على ذلك أكثر من حرصي أنا تجاهها. وكأن الله أمرها هي أن تبرنا وتحسن إلينا وتكرمنا كلما طال بها العمر.
كنت طفلاً في العاشرة من عمري عندما أرسلت ناظرة المدرسة "أبله عائشة" في طلبي إلى مكتبها. كانت غرفتها الواسعة تمتلئ بالكثير من مدرسات المدرسة. عدلت من وضع نظارتها الطبية وسألتني عن حالة والدي الصحية. سمعت بكاء المدرسات ونحيبهن المكتوم من حولي وأنا أحكي لها كيف أن أمي أخذت أبي الذي طال مرضه إلى بلدتنا في الريف حيث يوجد طبيب ماهر هناك سوف يقوم بعلاجه ويعود إلينا صحيحاً معافياً وكيف أنها عادت من دون أبي متشحة بالسواد.
منذ هذا اليوم تحملت أمي مسئوليتنا كاملة وحدها. ومنذ هذا اليوم انكفأت أنا علي ذاتي وتحملت جميع مشاكل حياتي وحيداً. فقد كان يلازمني الإحساس بأن فقدان أبي كان أكبر بكثير من أي مشكلة أخري يمكن أن أمر بها. انكفأت على ذاتي وتعلمت الصمت والكتمان.
وبعد أن كبرت وتزوجت وصرت أباً مازالت أمي توصيني إذا خرجت من عندها أن أنتبه إلى الطريق. مازالت أمي توصيني ألا أخفف من ملابسي حتى لا أمرض. مازالت أمي توصيني أن أتناول جميع وجباتي في وقتها. مازالت أمي توصيني بألا أطيل السهر حفاظاً على صحتي. مازالت أمي توصيني أن أذهب إلى الطبيب بسرعة إذا مرضت حتى لا يتأخر علي الشفاء. مازالت أمي توصيني أن أتناول دوائي في ميعاده.
مازالت أمي تبكي وأنا أودعها عند رحيلي الدائم إلى أرض الغربة.
كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق