الثلاثاء، 23 يوليو 2019

مرثية رجل تافه


وقد كان رحمه الله رجلاً تافهاً.

عاش تافهاً ومات تافهاً.

 لم يبقِ أثراً ما يذكره الناس به.




 كان إذا تحدث يختار المواضيع التافهة التي لا يلتفت الناس لها ولا يجدون متعة في التطرق إليها  أو المشاركة في التحدث فيها.

وكان إذا كف عن الكلام شغل نفسه بأشياء تافهة تجعل من حوله يتعجبون كيف يشغل نفسه بهذه الأشياء التي لا تفيده ولا تفيد أحداً آخر.

أحسست دوماً بالشفقة عليه وعلى الكيفية التافهة التي يعيش بها حياته ولكنني في معظم الأحيان كنت أحس بغيظ شديد مما يقوله أومما يفعله حتى أنني كدت في بعض الأحيان أن أزجره على الرغم من فارق السن الكبير بيننا.

زوجته قبل طلاقهما فقدت عن قصد معظم الأشياء التافهة التي كان يحتفظ بها قبل زواجه وحتى بعد أن تزوج. وكان يذكر ذلك بحنق شديد مدعياً أن تلك الأشياء كان لها من القيمة مما أثر فقدها على مستقبل حياته العملية إذ كان ينوي جمعها في كتاب بل في سلسلة من الكتب ونشرها على الناس لينتفعوا بما أودعه فيها من علم وخبرة. ولكن فقدها بهذه الكيفية المهينة حرم البشرية كلها من فائدتها إلى الأبد وأخر ركب الحضارة والتقدم في هذا الكون.


كان قد طلق زوجته لأسباب سريرية حسب تعبيره كدت أجزم بأنها أسباب تافهة ولم أشأ أن أخوض معه في تفاصيل هذه الأسباب أو أناقشه فيها وذلك على غير ما كان يحاول دفعي إليه. و كنت أحثه دوماً على ردها رغم عدم معرفتي لها  فمهما كانت عيوبها فلم أكن لأتصور أنها تكون أسوأ ولا أتفه منه ولكنني ببساطة شديدة أردت أن أجنبه ما يتعرض له من الإبتزاز والمهانة وهو يبحث عن زوجة جديدة وقد تعدى عمره السبعين عاماً. فقد إشترك رحمه الله في أحد المواقع الإلكترونية التافهة التي تعد مشتركيها بإيجاد شريك الحياة المناسب في أسرع وقت ممكن وتسهب في وصف خبرتها الطويلة في هذا المجال مما يميزها عن مثيلاتها من هذه الشركات. ولم تكن بالطبع صدفة أن هذه الشركة نفسها تقوم ببيع منتجات منزلية تافهة ذات جودة متدنية إذ كان مندوبيها يتصلون به ليخبروه أنهم وجدوا له "عروساً" ولكي يراها لابد أن يشتري منتج معين أو يشتري مجموعة من المنتجات بمبلغ محدد فيفعل ويشتري مالا يحتاج إليه. ووصل الأمر بأن إتصلت به إحدى مندوبات الشركة ذات مرة وقالت له أن العروس التي هم بصدد أن يقدموها له هذه المرة تشترط عليه لكي تقبل بمقابلته أن يكون لديه بعض المنتجات التافهة من شركتهم حددوها له فاشتراها راضخاً ذاعناً.  وكان إذا استنفذ البائع معه كل الحيل التي لم تكن لتخفى على أحد وباعه كل مايريد أن يبيعه إياه وأكثر مما يريد يسلمه إلى بائع جديد أو بائعة جديدة من نفس الشركة أو حتى من شركة أخرى ليبدأ معه من جديد دورة البحث عن العروس المرتقبة وما يتبعها من دورة شراء جديدة. وعلى الرغم من تكدس بيته بالبضائع التي رأيتها بنفسي فإنه لم يتزوج ثانية حتى غادر الدنيا.



وعندما ألححت عليه أن يكف عن البحث ويعيد زوجته التي طلقها والتي تحظى بحب ملحوظ من جميع أفراد أسرته قال لي أنه يريد أن يرزق بأولاد وهي أصبحت غير قادرة على الإنجاب لبلوغها السن الذي تتوقف فيه النساء عن الإنجاب. وقد دفعه حنينه الشديد إلى الأولاد إلى أنه كان يلاعب أولاد البوابين في الشارع والذين كانوا يلتفون حوله كلما رأوه ويطلبوا منه أن يحملهم ويدور بهم غير عابئين بالرجال الواقفين معه يتحدثون معه في أمور جدية وكانوا يصعدون إلى شقته في الدور العلوي ويطرقون بابه فيفتح لهم فيندفعون إلى الداخل بغير إستئذان فيستضيفهم ويقدم لهم الحلوى. حتى أن أحد الجيران قال لي أنه كف عن زيارته لأنه في كل مرة يزوره فيها يجد عنده أطفال البوابين وكذلك طفلي جارتنا الشرسين والقادمة إلينا من إحدى العشوائيات القريبة وكلهم كانوا يعيثون في بيته بغير إحترام لوجود أحد وأيضاً بغير أي قيود تذكر.



وذات يوم رحل عن العالم الذي نعيش فيه ولم يحظ بشئ مما ضيع البقية الباقية من عمره في الإهتمام به أو البحث عنه إلا ماكتبه الله له.

لم يبقِ أثراً ما يذكره الناس به.



رحمه الله عاش تافهاً ومات تافهاً.



كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه



الاثنين، 24 يونيو 2019

المهندسووون في الأرض


إلى هذه الفئة المهنية الشهيرة أنتمي أنا.



هذه الفئة في بلادنا هي أقرب إلى فئة الفنيين منها إلى المهندسين. فما ندرسه في الجامعة يؤهلنا فقط لكي نكون من الفئة التي تقوم بالتفكير والتصميم وإيجاد الحلول العلمية للمشاكل العملية عن طريق البحث الممنهج والإبتكار. وهذا التأهيل لا توجد حاجة له على أرض الواقع في سوق العمل. لذا تجد أن السواد الأعظم من المهندسين في حياتهم العملية هم في الحقيقة يعملون  كفنيين وهم أقرب إلى هذه الفئة منهم إلى المهندسين.

 وكلمة فنيين عندنا في مجتمعنا المصري هي الكلمة المثقفة للفظ العامي والشائع "الصنايعية" ومفردها  صنايعي. وهذه الكلمة تقترب لفظياً في كثير من حروفها من كلمة "صايع" المعروفة بكل ما تحمله من معاني معروفة متفق عليها. وأنا هنا لا أقصد أي إساءة ولكنها ملحوظة عابرة مرت في خاطري لعل لها وقع داخلي باطني في نفسي لا أعلمه وإن كنت أشعر به. ومما يدل على حسن نيتي هو ما ذكرته من أن المهندسين هم أقرب في عملهم إلى الصنايعيه.

وهناك دائما هذه المقارنة المستمرة بين المهندس والطبيب والتي يفوز فيها دائماً الطبيب على الرغم من نظرة المهندسين إلى الأطباء على أنهم "حافظين مش فاهمين" وأنهم بطبيعة دراستهم لا يفكرون ولا يستعملون عقلهم الذي سلب منهم منذ أيام دراستهم في الجامعة إلا من رحم الله.
لماذا إذن يفوز الطبيب دائماً  في هذه المقارنة مع المهندس؟

الطبيب يتعامل مع أشياء داخل الإنسان مثل صحتة التي هي أهم شئ عنده وشكله العام ومظهره الذين يواجه بهما الآخرين ويعطيان الإنطباع الأول والأخير عنه ثم يتعامل مع تكوينه الشخصي الذي يعتد به وكذلك مع نفسيته التي يحللها له كما يحلل له دمه وأشياء أخرى كثيرة. وهذه أشياء حيوية لا يمكن للإنسان الإستغناء عنها.

أما المهندس فيتعامل مع أشياء خارجية يستعملها الإنسان مثل البناء الذي يسكن فيه  ومع سيارته وماكينته وطرقه التي يمشي ويقود سيارته عليها ومنتجات أخرى يمكن للإنسان الإستغناء عن أكثرها أوعنها  كلها بكل سهولة ويسر بل يوجد أناسٌ لا يمتلكونها من الأساس.

أضف إلى ذلك أن الطبيب يعمل دائماً وهو مستتر ومستخف. مستتر وراء الجدران في عيادته أو في غرفة العمليات أو من وراء جهاز طبي. وهو مستخف وراء زي يحميه وملثم لا يظهر منه إلا عينيه اللتين لا تفضحان شخصيته بحال من الأحوال. وهو في تستره واستخفائه يخفي أخطاءه الفادحه وراء حواجز لا يسمح لأحد باختراقها حتى لا يطلع أحد أو يفضح ما وراءها. وهو في كل الأحيان يتستر عليه كل من حوله من فئة الملثمين إذ أنهم وعلى الأرجح دائماً مشتركون معه في الخطأ. وإذا تستروا عليه اليوم فسوف يتستر عليهم غداً. وهم يحملون دائماً أعذارهم وتبريراتهم في جيوب معاطفهم البيضاء يختارون منها ما يناسب الموقف ويضمن لهم الخروج أمام أعين الضحايا ليس فقط سالمين من غضبهم بل أيضاَ غانمين كل ما تيسر لهم من أموالهم. واللجوء إلى الدين دائماً حتى وإن كانوا غير متدينين هو طريقهم الرحب الذي لا ليس يعترضه إشارة مرور ولا يغلب عليه الإزدحام ولا الوقوف أوالإنتظار و هو هذا "الأكلشيه" المحفوظ في كل الأفلام المصرية وخاصة القديمة: "إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا" وهو يشمل ضمنياً بل و حتمياً إحالة الأمر برمته على الله عز وجل وهل يمكن للمريض أو أهله أو "إللي يتشددوا له" أن يعترضوا على مشيئة الله أو يكفروا بها .

أما المهندس فتجده يعمل عارياً من كل أسباب التخفي والحماية مكشوفاً  في عين الشمس يؤدي طقوسه أمام الجميع "إللي بيفهم واللي ما بيفهمش" وكل واحد رايح ولا جاي يعدل عليه ويناقشه في شغله الذي يقوم به غالباً على قارعة الطريق يبني أحد المباني أو يمد طريقاً أو يشرف على صرف صحي أو بياض أو صبة أسمنت بيعملها مقاول وبيغشه فيها ويطلع على سقاله وينزل من على سقف أو بيصلح عربيه عطلت على الطريق.والحال يكون أكثر صعوبة إذا كان من فئة المهندسين العسكريين الذين يوكل إليهم الكشف عن الألغام وتفكيكها في مناطق قاحلة شهدت حروباً ضارية. وهكذا لا توجد أي شغلانه يمكن أن يعملها المهندس في الخفاء ولا يوجد من يتستر عليه إن أخطأ فغالباً ليس له مساعدين وإن كان فهم من طبقة الصنايعيه الذين يتمنون له الغلط ليفضحوه حتى ولو لم يكن مخطئاً.

لن أسترسل أو أرهق تفكيري أكثر من ذلك في تلك المقارنة الغير العادلة وأترك لكل في تخصصه أن يضيف لها مما يفتح الله به عليه.

أنا إذاً من هذه الفئة الكادحة. فئة "المهندسون في الأرض" مع الإعتذار لعميد الأدب العربي طه حسين عن التقارب في هذا الإسم وإسم روايته الشهيرة "المعذبون في الأرض" وهي رواية جميلة في سردها وعباراتها ولغتها ولعل هناك أيضاً ذلك التقارب في المضمون وهو أن الرواية تحكي عن معاناة وبؤس طبقة مجهولة من الشعب المصري تسكن أماكن مجهولة في أعالي البلاد وتعاني معاناة لا يمكن لأحد أن يتصورها أو يصفها بهذه الفصاحة إلا طه حسين شخصياَ الذي هو أحد أبنائها وهو تقارب ملموس مع حالات البؤس والمعاناة التي يعاني منها أغلب المهندسون.

ولما كنت من هذه الفئة المهنية فكان لزاماً علي أن أسافر للعمل فيماوراء البحارتاركاً ورائي بعض الفرص الفقيرة لمن لم يستطع السفر أو الهجرة.

وكان لزاماً علي أيضاً أن أرجع في يوم من الأيام وأبحث من جديد عن الأصحاب القدامى. ولقيتهم جميعاً بخير والحمد لله يتقابلون على إحدى المقاهي في منطقة شعبية على قارعة الطريق وكأنه قدر إن لم تجبر عليه تختاره بنفسك.


شئ غير قليل يشدني إليهم ويحاول أن يبقيني معهم وهو ذكرى الأيام الجميلة التي قضيناها معاً أيام الجامعة وذكرى الرحلات والمعسكرات والبيات معاً في الكلية وذكرى أيام إنتخابات إتحاد الطلبة وذكرى لقاء الأربعاء الشعري.

وجلست معهم محاولاً كسر ملامح الإبتعاد الطويل والإندماج في مواضيعهم أو في مواضيع عامة يمكن أن تهم الجميع. 

شرب الشاي.
تبادل النكات الرخيصة.
التندر على أي شئ أو كل شئ.
تدخين الشيشه والسجائر أو كليهما معاً.
الإعتراض أيضاً على أي شئ أو على كل شئ.


علق أحدهم على رسالة "ثقافية" أرسلها إليهم كبيرهم.  تظاهرت بالإستغباء وعدم الفهم فأنا لا أريد أن يكون هذا هو شاغلنا في مثل هذا الجمع وبعد أن تخطينا مراحل المراهقة بسنين طويلة. لاحظ كبيرهم موقفي فأراد أن يستجلي الأمر ويقطع الشك باليقين فبدأ  يشرح لي على الملأ وفي  سفور مقصود الرسالة  بتفاصيلها  منتظراً رد فعلي ليعرف "يعني أنا معاهم ولا مش معاهم"  وأنه لا مجال هنا للإستغباء.

غبت فترة عن لقاءاتهم وعدت أسال عن موعد اللقاء التالي فقال لي كبيرهم أن الميعاد الجديد قد  تأخر ساعتين عن الموعد المعتاد. وقال لي عندما أحس أنني ممعتض من هذا التأخير وخاصة أننا الآن في موسم الشتاء "ده في ناس بييجوا من آخر الدنيا عشان الميعاد ده" وكأنه يريد أن يزيد الأمر صعوبة كي يبقيني بعيداً  عنهم.

وفي موقف مماثل حكى لي أنه وجه دعوة عامة للسفر إلى شاطئ البحر لمجموعة من الأصدقاء حضروا جميعهم إلا واحداً كان يصر على أن توجه له الدعوة بشكل شخصي. ولكنه رفض وأعاد الدعوة مرة أخرى بعموميتها فرضخ الصديق وقبل أن ينضم إليهم بدون دعوة شخصية.

وكانت الرسالة هنا واضحة جلية هو أنني إذا كنت أريد أن أنضم إليهم من جديد أو إليه على الأصح فيجب أن أرضى وأرضخ لشروطهم ولا أفرض عليهم نسقاً آخر لإجتماعاتهم  غير هذا النسق الذي إختاروه لأنفسهم ألا وهو نسق الفنيين أو "الصنايعية" أو هبوطاً بالمعنى إلى نسق " الصايعين".



كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه

الثلاثاء، 18 يونيو 2019

أنا وهي وتشارلي



قالت له بتأفف و بضيق شديد: أنت كثير الحركة

تململت وأشاحت عنه بوجهها 

عبست وأدارت له ظهرها

كان دائما ما يعتقد أن حركته النشطة هذه هي أجمل ما يميز علاقتهما. الآن هي أصبحت تكره هذه الحركة. 

ترى هل هي قد صارت تكرهه هوالآخر؟



كان يحلم بها طوال سنين غربته الطويلة. كان يحلم بدفء وجودها بجواره. والآن أدرك أنه لن يفيق من حلمه أبداً وأن الحلم سيظل حلماً وأنه لن يرجع من غربته أبداً وأن الغربة مازالت مستمرة حتى بعد عودته الأسطورية التي أيقن الآن أنها عودة ظاهرية.

بعد أن تأكد أنها تكره حركته الدائمة والمستمرة أقسم على نفسه ألا يتحرك بعد ذلك أبداً.

يتذكر الآن قصة قصيرة قرأها في كتاب صغير باللغة الإنجليزية إشتراه من بائع على سور الأزبكية منذ فترة طويلة ولكنه لا ينساها. القصة تحكي عن شخص يدعى  تشارلي . . .

 سألها: من هذا ؟
قالت باقتضاب: "هذا هو تشارلي" ثم صمتت ولم تلتفت إليه. 
نظر نحوها باستغراب شديد ونحو هذا الشاب اليافع الذي يجلس بين يديها طفلاً لا حول له ولا قوة. فاقد النطق فهولا يتكلم مطلقاً.  قد أصاب أطرافه الأربعة الشلل التام فهو لا يتحرك بنفسه أبداً. وهي رغم شبابها وجمالها وحيويتها تقوم على جميع شؤنه كما تفعل الأم مع طفلها الصغير وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا النظر إليها وهي تفهم ما لا يستطيع أن يقوله بمجرد النظر في عينيه.
نظر إلى الرجل العاجز الذي يجلس أمامه ثم نظر إليها  مرة أخرى مستفسراً. قالت وهي مازالت منهمكة في قضاء شئون رجلها: كان تشارلي يحبني إلى درجة الجنون وكان يأتي كل ليلة حيث أعمل هنا في هذا الملهى ويكتفي بتقديم هدية في بعض الأحيان ولكنه في كل الأحيان كان يجلس بعيداً حيث يمكنه أن يراني طوال الوقت وأنا أرقص على المسرح أو أهتم ببعض الزبائن أقدم لهم الشراب وأجالسهم ولا أغيب عن نظره ولو للحظة واحدة ثم ينصرف في آخر الليل صامتاً. وفي يوم من الأيام جاء تشارلي ونظر إلي وجلس في مكانه المعتاد يرقبني وأنا أؤدي عملي ولم يتحرك بعد ذلك أبداً ولم يقم من مكانه ومن يومها وهو يجلس هكذا كما تراه.

أيقن لماذا يتذكر هذه القصة الآن. وكأنه هو نفسه  تشارلي عندما أقسم بينه وبين نفسه ألا يتحرك بعد ذلك.

صار إذا ظهرت أمامه لا يستطيع الوقوف حتى وإن تحامل على نفسه وإن حاول بكل جهده فما أن ينتصب حتى يتذكر كراهيتها المعلنة لحركته فيفقد سيطرته على نفسه وترتخي عضلات جسده وتخونه قوته فيعود كما كان.

أصبح  في عجزه صورة أخرى من تشارلي العاجز ولكن من دون أن يجد أحداً ينظر في عينيه ليعرف ماذا يريد.




كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه








الأحد، 16 يونيو 2019

يا شريف إسأل الله العافية





قال صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله العفو والعافية ، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية"

قرأت في أخبار الصالحين أن أحد الزهاد قد دعا الله أن يكفيه رزق رغيفين كل يوم  ويتفرغ لعبادته حتى لا ينشغل بطلب الرزق عن ذكر الله والعمل في طاعته فكان أن أتهم خطئاً في مسألة لم يقترفها وأُدخل السجن عقاباً له عى ذلك فكان يؤتى له برغيفين هما زاده كل يوم في محبسه. واستمر الحال على ذلك فترة من الزمان وهو في حيرة من أمره لا يرى له خلاصاً مما ألم به من بلاء إلى أن أُلقي في خاطره أنه دعا الله رزق الرغيفين دون أن يسأله العافية في هذا الرزق ففطن إلى سبيل الخلاص فدعا الله مرة أخرى أن يرزقه الرغيفين وسأله العافية في هذا الرزق فكان أن أُخلي سبيله من السجن.

تذكرت هذه القصة وتذكرت أحاديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي يحثنا فيها على طلب العافية من الله تعالى في الدين والدنيا والأهل والمال. تذكرت كل هذا وأنا أستمع إلى مقدم البرامج التليفزيونية الشهير "شريف مدكور" وهو يحكي قصته مع مرض السرطان والتي تتلخص في أنه طلب من الله تعالى وهو عند بيته الحرام أن يريه آية من عنده تطمأنه بأنه يسير على الطريق القويم وتطمأنه بأن الله سبحانه راضٍ عنه فكان أن أصيب بهذا المرض وكان رضاه بقدر الله عز وجل وكان مايحكيه من دعاء خلق كثير له بالشفاء منهم من يعرفهم وكثير منهم لا يعرفهم منهم أناس عاديون وأناس ذو حيثية ومكانة مرموقة في المجتمع منهم الرجال والنساء والأطفال الذين توافدوا لزيارته في المستشفى وأهدوا له من باقات الأزهار ما ضاقت به ممرات المستشفى. واعتبر شريف أن هذا الإبتلاء هو الآية التي طلبها من الله واطمأنت بها نفسه إلى حسن عمله. 



فما أشبه قصة شريف بقصة الزاهد الذي سأل الله الرزق ولم يسأله العافية. 

ومازال الكثير من الناس يعتقدون أن البلاء هو علامة من علامات رضا الله عنهم.

ولقد سمعت أحد الشيوخ السعوديين في المسجد يحكي أن إمرأة خُطبت إلى سيدنا محمد ووُصفت له بأنها سليمة معافية من كل الأمراض فرفض أن يتزوجها لهذا السبب. ومن الغريب في هذه القصة أننا لم يصل إلينا فيما وصل من أخبار زوجات الرسول أن إحداهن كانت مبتلية بمرض أو عاهة ما فلم يرفض إمرأة لكونها صحيحة ومعافية.

"لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر" .. بهذه الكلمات الندية الجلية كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعلن بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم رؤية الإسلام الواضحة تجاه قضية السراء والضراء .. قضية البلاء والإبتلاء.

وكان عبد الأعلى التيمى يقول: "أكثروا من سؤال الله العافية، فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء، إنه رُب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقى له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة".

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي؛ اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» 

يا شريف إسأل الله العافية.



كتب هذا المقال وحرره/ عاطف شوشه





الاثنين، 8 أبريل 2019

ثلاث وعشرون كعبة



ثلاث وعشرون كعبة كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل أن تتحول كلية إلى الإسلام.

يقول الباحث  محمود سليم الحوت  صاحب كتاب  "في طريق الميثولوجيا عند العرب": " يجب ألا يخطر على بال أحد أن مكة – وإن ارتفعت مكانتها عن سواها من أماكن العبادة – هي القبلة الوحيدة في الجزيرة ؛ فقد كان للعرب كعبات عديدة أخرى تحج إليها في مواسم معينة وغير معينة ، تعتر ( تذبح ) عندها ، وتقدم لها النذور والهدايا ، وتطوف بها ، ثم ترحل عنها بعد أن تكون قد قامت بجميع المناسك الدينية المطلوبة ". وقد اشتهر من بيوت الآلهة أو الكعبات ما وجدنا ذكره عند الهمداني ( بيت اللات ، وكعبة نجران ، وكعبة شداد الأيادي ، وكعبة غطفان ) ، وما ذكره الزبيدي ( بيت ذي الخلصة المعروف بالكعبة اليمانية )  ، وما جاء عند ابن الكلبي ( بيت ثقيف ) (، إضافة إلى ما أحصاه جواد علي ( كعبة ذي الشري . و كعبة ذي غابة الملقب بالقدس ) ومحجات أخرى لآلهة مثل ( اللات ، وديان ، وصالح ، ورضا ، ورحيم ، وكعبة مكة . وبيت العزي قرب عرفات ، وبيت مناة ).

قال ابن إسحاق في السيرة "وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما تهدي للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها قد بناها نبي وهو إبراهيم عليه السلام وأنها أول بيت بني لله على وجه الأرض". 

هذا مع ما جاء في قول الأستاذ العقاد في كتابه "مطلع النور": " .. البيوت التي تعرف ببيوت الله أو البيوت الحرام ، ويقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل .. وكان منها في الجزيرة العربية عدة بيوت مشهورة ، وهي بيت الأقيصر ، وبيت ذي الخلصة ، وبيت رضاء ، وبيت نجران ، وبيت مكة .. وكان بيت الأقيصر في مشارف مقصد القبائل ؛ من قضاعة ولخم وجذام وعاملة . يحجون إليه ويحلقون رؤوسهم عنده .. فالأمر الذي لا يجوز الشك فيه أن البيوت الحرام وجدت في الجزيرة العربية ؛ لأنها كانت لازمة .. وقد اجتمع لبيت مكة من البيوت الحرام ما لم يجمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة ؛ لأن مكة كانت ملتقى القوافل ؛ بين الجنوب و الشمال ، و بين الشرق والغرب ." 

إذاً لم تكن هناك كعبة واحدة وصخرة واحدة  فى الجزير’ العربي’ بل كان هناك ثلاث وعشرون كعبه وكل كعبة بها صخرة إلا أن كعب’ مكه كانت تعتبر هى الأشرف والأكثر تميزاً وموضع تكريم العرب جميعاً  وكانت قبيل’ قريش هي أكبر القبائل منزلة فى العرب ويسمون أفرادها " اهل الحرم" لأنه فى قريتهم كانت توجد الكعبه. 

وسميت هذه الكعبات بيوت الله ؛ لأن كل بيت منها فيه حجر من بيت الإله الذي في السماء ؛ تمييزاً له عن الأرباب التي لم تكن سوى مجرد تماثيل أو أحجار بركانية توضع في أفنية الكعبات ؛ انتفاعاً ببركات الأسلاف الصالحين ، وتشفعاً بهم عند إله السماء .

وروى البخاري عن عائشة نحوه: "وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها القرآن في كتابه العزيز وإنما أفرد الله هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها". ويقصد بالثلاثة  "اللات" و "العزى" و "مناة". ولهذه الأماكن الثلاثة كانت تشد الرحال فيقصدها العرب ويعظمونها كتعظيم الكعبة يطوفون بها وينحرون عندها. وهذه الآلهة الثلاثة مؤنثة لذا كان العرب يسمونها بنات الله ويعتقدون أنهن يشفعن لهم عنده.

ونذكر هنا بعض الأمثلة لهذه الكعبات.

اللات كما تخيلها النحاتون
"اللات" وكانت لثقيف أهل الطائف واللات لفظ مؤنث من كلمة الله وكانت تسمى أيضاً الطاغية والربة وكان بيتها يسمى بيت الربة. ولما أتت ثقيف مسلمة إلى رسول الله طلبوا منه أن يسمح لهم بأن يستمروا في عبادتها لثلاث سنوات فرفض الرسول فطلبوا سنة فرفض إلى أن وصلوا إلى شهر فرفض أيضاً فوافقوا بشرط أن يعفيهم من هدمها بأنفسهم فأرسل الرسول المغيرة بن شعبة لهدمها. وخرجت عامة ثقيف وهم يظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ - المعول- وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالمعول، ثم سقط يركض برجله، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا، وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة.وقالوا لأولئك من شاء منكم، فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي حجارة، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها، وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قام، فحفر أساسها فحفروه، حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف.

"العزى" وكانت لقريش أهل مكه وبني كنانة. والعزى لفظ مؤنث من الأعز مثل الأكبر والكبرى وهي كوكب الزهرة أو كوكب الحسن التي فتنت هاروت وماروت كما تحكي الأسطورة وكانت بمكان يسمى "نخلة الشآمية"  وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم . وكانت تعبد بثلاث شجرات وصنم وكان لها بيت وحمى. وفي عام فتح مكة أرسل النبي خالد بن الوليد لهدمها فقطع الشجرات الثلاثة وخرجت من آخرها امرأة عريانة سوداء نافشة شعرها تصرف بأسنانها وسادنها يهيجها على قتل خالد فيقشعر ظهر خالد ولكنه يقدم مشجعاً نفسه بترديده:

ياعزى كفرانك لا سبحانك   إني رأيت الله قد أهانك

ثم يضربها فيفلق رأسها ويقتل سادنها ويهدم البيت ويكسر الصنم ثم يعود للنبي فيخبره بما فعل فيقول له:" تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب أما إنها لن تعبد بعد اليوم."

قال الله تعالى: "إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً" قال ابن عباس: "كان في كل صنم شيطان يتراأى للسدنة فيكلمهم" وقال أبي بن كعب: "مع كل صنم جنية".


"مناة" وكانت لأهل المدينة وكانت بمكان على الساحل بين مكة والمدينة وكان الأوس والخزرج أكثر من يقدسها وكان الهذليون يعبدونها بحجر أسود وكانت العرب جميعاً تعظمها وعمت عبادتها قسم كبير من بلاد العرب وليس معروفاً سبب تسميتها  أو معرفة كنهها وتفصيل شعائرها لقدمها. ولم تزل على ذلك حتى خرج النبي من المدينة في السنة الثامنة للهجرة عام الفتح وعلى مسيرة أربع أو خمس ليال أرسل من هدمها وأخذ ما كان لها.

ذو الخلصة
" ذو الخلصة" وكانت  بيت مقدس في الجنوب قدسه عدد كبير من القبائل العربية مثل دوس وخثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من هوازن وكانت تسمى الكعبة اليمانية وكان ذو الخصلة على هيئة "مروة" (صخرة) بيضاء منقوشة وكان سدنته ( القائمين على خدمة الحجاج) من بنى إمامة من قبيلة باهلة وبعد فتح مكة أرسل النبي محمد جرير بن عبدالله لهدمة , فخرج فى بجيلة وتطلب الأمر قتال قبيلتى خثعم وباهلة اللتين دافعتا عن الصنم بشدة وسقط منهما المئات من القتلى وأضرم فى بيت الصنم النار ثم جعلوا صنم ذو الخلصة عتبة للمسجد هناك. وقد ظلت العرب تحج إلى هذا البيت حتى عام 1925 تحقيقاً لحديت النبي إن صح :"لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة".

"كعبة غمدان" وكانت فى اليمن سبعة بيوت عبادة شهيرة للسيارة السبعة ( نجوم) إحداها يدعى بيت غمدان  بناه الضحاك فى صنعاء باليمن تعظيماً للزهرة فهدمه الخليفة عثمان طراجع الشهرستانى" ولما قتل عثمان تمت النبوءة التى زعم الجنابى أنها كانت منقوشة على البيت (الكعبة) وهى : " غمدان ( أى كعبة غمدان ) هادِمك مقتولٌ ".

رئام
"كعبة رئام" روى ابن اسحاق: "وكان رئام بيت لقبائل حمير وأهل اليمن وصنعاء يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه. وقال إثنين من الأحبار لتبع ملك اليمن وكان قد تهود إنما هو شيطان يفتنهم فخل بيننا وبينه فقال فشأنكما به فاستخرجا منه كلباً أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت". وفي رواية أخرى أن الحبران أتيا البيت ونشرا توراتهما وجعلا يقرآنها فطار منه الشيطان حتى وقع في البحر. وقد ذكر المؤرخون أنها كانت أشهر كعبة للأصنام فى اليمن.  

"كعبة أياد" وكان لقبائل أياد بيت يسمى كعبة أياد ويقع فيما بين الكوفة والبصرة فة موضع يعرف بسنداد من منطقة الظهر

"الكعبة" كان فى جوف الكعبة صنم إسمه " هبل " وكان صنم هبل على شكل إنسان مكسور اليد اليمنى .  وقال العرب أنه مصنوع من العقيق الأحمر , وكانت قريش تصنع له يداً من ذهب . وأمام هبل كانت القداح التى يضرب بها من أجل الإستخارة.

وحول الكعبة كانت تقف أصنام أخرى قدرها بعض المؤرخين القدامى 50 ووصل بعضهم بعددها إلى360 صنماً  مثل " آساف" و " نائلة" وهما على صورة رجل وإمرأة , ويعتقد العرب أنهما مسخا حجرين لفجورهما بالكعبة , وكان أحدهما ملاصق للكعبة والآخر عند بئر زمزم. 

رضاء
"كعبة رضى" كعبة رضاء قال ابن إسحاق : وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، كان موجوداً عند نشاة الأسلام فهدمه عمرو بن ربيعة المشهور بالمستوغر ولها يقول المستوغر حين هدمها في الإسلام :
ولقد شددت على رضاء شدة      فتركتها قفرا بقاع أسحما

"ذو الكعبات" قال ابن إسحاق وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب لبني وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة.
بين الخورنق والسدير وبارق والبيت ذو الكعبات في سنداد 


"كعبة نجران" وقد بنيت على بناء الكعبة مضاهاة لها. وقد أصبحت بعد دخول النصرانية نجران كنيسة أو شبه كنيسة وأغلب الظن أن أصحاب هذه الكعبة تنصروا.




عاطف شوشه



السبت، 16 مارس 2019

مالي سواك يا ربي

أفقت على صوت المنشد وهو يصدح مبتهلاً "مالي سواك يا ربي" فانفلتت الدموع من عيني وبكيت شجناً.

كانت السماء خارج مسجد سيدنا الحسين غائمة في هذا اليوم وقد بدأت السحب بكاءها هي الأخرى من قبلي منذ الصباح الباكر لتجود بما لديها في هذا اليوم البارد من أيام الشتاء ولتبلل الطرقات المؤدية إلى حارة "الجاور علي" التي كانت مقصدي وبالتحديد إلى منزل جدي القديم في نهايتها المسدودة.





لا أذكر كيف وصلت إلى هناك مبكراً بعدما قلت للسائق: "حي الحسين من فضلك". فقد انتقلت بعد هذه الكلمات مباشرة بمخيلتي إلى هناك حيث الذكريات التي لا يمكن نسيانها أو مفارقتها في اليقظة أو في المنام. 

بدأت أصعد السلم الحجري العالي والذي تآكل معظمه بفعل السنين الطويلة التي تعاقبت عليه وأيضاً بفعل من تعاقب عليه نزولاً وصعوداً من شيوخ قضوا ورحلوا وترحمنا عليهم ورجالاً غدوا شيوخاً وشباباً أصبحوا رجالاً وكهولاً وأطفالاً صاروا شباباً وهو مازال منتصباً في مكانه بسوره الحديدي الذي يصعد ويدور معه عالياً وإن كانت قد بدأت تظهرعليه مظاهر الملل والإعياء من كثرة ما حمل واحتمل. ما زالت نوافذه الحديدية العالية بعتباتها الحجرية العريضة تنفتح فوق الأسطح المنخفضة أمامها على مسجد سيدنا الحسين بمآذنه القريبة ويزداد المنظر جمالاً كلما صعدنا الأدوار الأعلى. كنا ولا زلنا رغم العمر الطويل لا نستطيع أن نقاوم القفز إلى هذه النوافذ عند كل الأدوار والنظر من خلالها على المشهد المحبب المحفور في حافظة ذكريات الطفولة الجميلة غير أننا وبعد أن تقدم بنا العمر مازلنا ولكن في خجل نختلس القفز إلى بعضها لنسترجع عبرها تلك النظرات الطفولية المرحة والراحلة في الزمن البعيد.

يشكو المنزل بطوابقه الخمسة من قلة ساكنيه وقلة زائريه. فلم يعد يسكنه إلا عائلة في الطابق الأرضى وأخرى في الطابق الأخير. وتعاني كلتا العائلتين كباقي العائلات في هذا الزمن القحط من قلة زيارة الأقارب والأصدقاء.

في الطابق الأخير تسكن إحدى بنات خالاتي مع أسرتها بعد أن توفيت خالتي والدتها منذ عدة سنوات. وقد زرت المنزل الواسع ذو السقف الخشبي العالي والشبابيك المرتفعة بعد وفاة خالتي فأحسست بالبرودة وبالفراغ يعم البيت كله على الرغم من وجود الأسرة بأكملها في هذا اليوم. هذا الفراغ الذي كانت تملأه خالتي وحدها وتنشر فيه الدفأ عندما كانت تستقبلنا بمفردها وتضمنا في حب شديد وحنان ينسينا هموم الحياة في الخارج ويشعرنا بالطمأنينة وبطفولتنا الآمنة تعود إلينا في أحضانها.




في الفناء أمام البيت رجال منهمكون في زرع أعمدة خشبية طويلة تمهيداً لبناء "صوان" وبعض الصبية حولهم يقومون بصف مجموعة من الكراسي على الجانبين.

دكان عم عبده تاجر الملابس الذي إعتاد أن يوزع علينا مشروب القرفة الساخن في ايام مولد سيدنا الحسين مازال مغلقاً منذ أن هجره رحمه الله.

في الطابق الأخير قضيت بعض الوقت مستعيداً الكثير من الذكريات متعدياَ الطابق الأرضي ببابه المفتوح على مصراعيه وساكنيه الذين يظهرون في الداخل بثيابهم السوداء والذين ينعون اليوم فقدان آخر من سكنت هذا الطابق من هذه العائلة العريقة التي جاورت عائلة جدي وذريته من بعده لزمن طويل في هذا البيت. 

تذكرت حكايات والدتي حين كانت تسكن في هذا البيت حتى بعد زواجها من أبي وبعد أن رزقت بأخواتي الثلاثة الذين يكبرونني سناً من أن أبي كان يقف طويلاً عند شرفتهم المطلة على نهاية الحارة ويحرص دائماً على أن يتبادل حديثاً طويلاً مع جدتهم التي كان يكن لها حباً كثيراً. "كان والدك رحمه الله يحب الحديث مع النساء الكبيرات في العمر" هكذا قالت لي والدتي أطال الله  في عمرها.

نادتنا إحدى نساء العائلة من الطابق الأرضي " الجثمان يحمل الآن إلى المسجد ". نزلت السلم الحجري سريعاً مستنداَ على سوره الحديدي و بخطوات متسابقة وصلت إلى المسجد ووقفت مع عائلتها في إنتظار وصولها. لحظات ووصلت العربة ووقفت أمام باب المسجد الأمامي المطل على الميدان المبتل بقطرات الأمطار. فتح الباب الخلفي من داخل العربة وتسابقنا لحمل الفقيدة وإدخالها إلي داخل المسجد إنتظاراً للصلاة عليها بعد أداء فريضة الظهر. صليت ركعتين تحية للمسجد وأخذت أجول ببصري في أنحاء المسجد الممتد حولي  وفوقي وأنا أحتضن بناظري كل تفاصيله الدقيقة الحبيبة.

أفقت على صوت المنشد وهو يصدح مبتهلاً "مالي سواك ياربي" فانفلتت الدموع من عيني وبكيت شجناً.







الجمعة، 1 مارس 2019

ثروتي لولدي

نجح في أن ينقل ثروته بأكملها عندما أصبح حتماً عليه أن ينتقل مسافراً حزيناً.



قبل موعد السفر بمدة حرص على أن يحصي ثروته كلها والتي كان قد بذل جهداً مضنياً في جمعها على مدار سنين طويلة  قضاها هناك.

كل قطعة في هذه الثروة إقتناها بعد معاناة شديدة في البحث عنها وكان عليه أيضاً التحقق من صانعها ومتى صنعها وأين كانت صناعنها وماذا كان الغرض الظاهر والغرض الخفي من وراء صناعتها وما هو عمرها وتاريخها وما هو تقييم السابقين لها ممن رأوها قبله أو ممن إقتنوا قطعة مماثلة لها في يوم من الأيام. 

يقلبها بين يديه يتأكد من قيمتها وجودة صناعتها وما إذا كانت مستوفية لكل شروطه أم لا. وإذا كانت مستوفية يشتريها بدون أن يجادل البائع في ما سيدفعه فيها من أموال. 

بعض القطع تركها مكانها ولم يقتنيها حين أصبحت فعلاً بين يديه لأنه لم يستطع أن يتخذ قراراً نهائياً بشأنها رغم إستيفائها لجميع شروطه القاسية.

عندما  يعود إلى منزله وبعد بضعة ساعات يبدأ في الإحساس بحنين طاغ إليها فيسهر ليله يفكر فيها وفي المتعة التي ستجلبها له معها إذا إقتناها ثم إذا نام تأتيه في أحلامه كأجمل ما تكون. في اليوم التالي يكون كل همه هو كيف يصل إلى البائع قبل أن يصل إليه أحد آخرغيره ويقتنيها قبله. أما إذا لم يغلبه الحنين ولم تزره في أحلامه فينساها ولا يقتنيها.

بعد أن أحصى كل ثروته تمهيداً لعمل الترتيبات اللازمة لنقلها أخذ يفكر كيف يحميها من التلف المحتمل أثناء نقلها وكيف يغيب عنها الأنظار حتى لا يفطن أحد ممن سيحملها أو ستمر بين يديه أثناء سفرها إلى قيمتها الحقيقية المختفية في داخلها. 

شرع بعد ذلك في تغليفها بنفسه قطعة قطعة بعناية فائقة آخذاً في الإعتبار كل الإحتمالات الممكنة لتلفها ليتجنبها عند إعدادها للإنتقال والرحيل.

الآن وبعد أن أحس أنه راضٍ تماماً عن عمله الذي إستغرق وقتاً طويلاً في الإعداد بدأ يفكر في كيفية نقلها وبعد التفكير قرر أن يبتعد عن طرق الشحن المكلفة لأنها تلفت الأنظار دأئماً إلى قيمة ما بداخلها. إذن سيكون النقل في صناديق من الكرتون مستعملة من قبل وليست جديده مع الحرص ألا يكتب عليها ما يشي بما في داخلها. ويكون حجم الصناديق صغيراً لكي لا تكون ثقيلة على من يحملها فيكون إحتمال سقوطها عالياً.

وقد تم الأمر كم خطط له تماماً ووصلت الصناديق التي كان هو بنفسه في استقبالها بأمان تام وإن كان لم يستطع أن يخفي إنزعاجه من الطريقة الخشنة التي عامل بها العمال هذه الصناديق بمحتوياتها الثمينة وكاد قلبه أن يتوقف عن العمل عندما بدا له أن أحد العمال كاد أن يسقط صندوقاً منها قبل أن يصل إلى الأرض ببضعة سنتيمترات.

والآن إلى المتعة الكبرى. متعة إفراغ محتويات الصناديق وإعادة إكتشاف القطع التي بها والإستمتاع برؤيتها مرة أخرى تخرج إلى النور بعد أن غابت عنه طوال فترة سفرها كانت خلالها في غير مأمن في أيد أخرى غير يديه.

صرف الجميع من حوله إلا من ولده القريب من قلبه. نقلوا سوياً كل الصناديق إلى غرفة واحدة بحرص وبعناية تامة. وبدأت عملية إعادة الحياة إلى الثروة مرة أخرى.

عند فض كل قطعة من غلافها كان يقلبها بين يديه بعشق ظاهر في عينيه ليتأكد من أنها قد وصلت إلى مقرها الأخير بدون أي أضرار أو خدوش قد تؤثر على قيمتها. 

حرص على أن يحكي لولده ووريثه الوحيد تاريخ كل قطعة وكيف إقتناها وأين وجدها وقيمتها قبل أن يتناولها إبنه منه بعناية فائقة ثم يجد لها مكاناً يليق بها بجوار أخواتها ممن سبقوها فوق رف الكتب.


عاطف شوشه