الأحد، 27 مارس 2016

كلام في الواقع



في المنطقة الواقعة بين المُتوقَع والواقع تقع جميع مشكلات الإنسان.





كتبت أحلام مستغانمي "من الأسهل علينا تقبل موت من نحب على تقبل فكرة فقدانه واكتشاف أنه بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها  بدوننا ...!!"


وهذا التعبير القاسي يسهل فعلاً تصوره فمن المتوقع لمن فقد حبيبه أن لا تنتظم حياته وأن يشوبها النقصان والإرتباك وألا تكتمل وتعتدل مرة أخرى إلا إذا حدث اللقاء والوصال. وإن لم يتحقق هذا وكانت الحياة بالحبيب وبدونه لا فارق فيها فإن الحبيب يكون لا قيمة له على الإطلاق. 


 وتكون فكرة تقبل الموت أهون من تقبل فكرة أن المتوقع لم يحدث في الواقع.


وكلما زادت مشاعرالحب أو الصداقة أو القرابة زادت التوقعات الغير معلنة والتي ينتظر كل طرف من الآخر في هذه العلاقة أن يقدمها بلا طلب مسبق وفي موعدها المحدد بمنتهى الدقة وإلا كان الموت أفضل. 


ولماذا الموت؟ لأنه الوحيد الذي يقع خارج دائرة إختياراتنا لذلك يمكن أن نسامح فقط من مات لأنه لم يلبي توقعاتنا غير المعلنة. أما الأحياء فليست أعذارهم مقبولة لدينا حتى يموتوا.


وينسحب هذا المعنى على جميع العلاقات الإنسانية بدرجات متفاوتة حسب قوة العلاقة والحرص عليها من الناحية العاطفية. 


ومن لايعي هذه الحقيقة سيبقى على قدر كبير من المعاناة في حياته في جميع علاقاته الإنسانية وسيظل يعالج مشاكل فرعية تتوالى عليه وكلما عالج مشكلة نبت له أخرى. وهو كالطبيب يعالج أعراضاً مختلفة ظناً منه أنها المرض ولكن مريضه لا يشفى و يوشك على الموت حتى يهديه الله وينتقل من الفروع إلى الأصل أي إلى السبب الحقيقي للمرض فيعالجه وتنتهي معاناة المريض والطبيب معاً.


وكلما زادت المسافة بين المتوقع منا وبين الواقع الذي نقدمه في علاقاتنا زادت مشاكلنا وتكدرت حياتنا بشكل مزر.



قال مولانا جلال الدين الرومي: هناك شيئ واحد في هذا العالم لا ينبغي أن يُنسى. إذا نسيت الأشياء كلها ولم تنس ذلك الشيئ فلا داعي للخوف. ولو أنك أنجزت الأشياء كلها وتذكرتها ولم تنسها ونسيت ذلك الشيئ فكأنك ما فعلت شيئاً البته.

وهذا تماماً مثلما إذا أرسلك مَلِك إلى قرية من أجل عمل معين فذهبت وأديت مئة عمل آخر فعندما لا تكون أديت ذلك العمل الذي كنت ذهبت من أجل تأديته فكأنك ما أديت شيئاً البته.

وهكذا فإن الإنسان جاء إلى هذا العالم من أجل عمل معين وذلك مقصوده وهدفه فإذا لم يؤد هذا الذي جاء من أجله فإنه لا يكون قد فعل شيئاً.

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". وكلما إبتعد الإنسان عن عبادة ربه زادت المسافة الواقعة بين ماهو متوقع منه أن يفعله وما خلق من أجله وبين واقعه فيكون بذلك قد وقع في أكبر مشكلة يمكن أن يقع فيها وهي مشكلة خلقه.





انْظُرْ أَلا يَرَاكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاكَ وَأَلا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ واسْتَحِ فِي قُرْبِهِ مِنْكَ , وَقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ " .



كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق