الجمعة، 18 مارس 2016

الإسكندرية .. يعني الشاطبي



موسم الإمتحانات يقارب على نهايته ويبشر بدخول الإجازة الصيفية الطويلة.

يتزامن مع هذا الموسم الإعداد الحثيث لرحلة المصيف التي تبدأ مباشرة بعد نهاية الإمتحانات بأقل من أسبوع. كانت أمي أطال الله في عمرها تتحمل كل هذا العبء وحدها.

كانت عائلتنا إحدى ثلاث عائلات في الحي كله تذهب إلى المصيف كانت إحداها عائلة زوجتي الحبيبة وكنا نتفوق عليهم جميعاً في طول الفترة التي نغيب فيها عن الحي.

 يوم السفر هو أسعد يوم في حياتنا. لم نعرف سفراً إلا إلى الإسكندرية في الصيف. 

في الصباح الباكر نحمل أشياءنا ونتجه إلى محطة القطار. شمسية البحر في جرابها القماشي وكراسي البحر بمقاساتها المختلفة والجرادل البلاستيكية والترموس وشنطتان للملابس لونهما بني يغطي كلاً منهما غطاءاً قماشياً أبيض اللون لحمايتهما. تحتوي الشنطتان على كل ملابسنا التي نحتاجها لمدة ثلاثة أشهر كاملة قامت أمي بتفصيل معظمها بنفسها بما في ذلك ملابس البحر.  

الرحلة بالقطار مع العائلة ممتعة جداً. نبدأ باللعب في محطة مصر المترامية الأطراف ذات السقف العالي جداً. طالما بهرني عظمة هذا البناء الواسع الرحب.
"قطر الثوره ماشي بينا .. حايفرجنا ويورينا" أغنية من زمن الثورة كانت أغنيتنا المفضلة والتي تتناسب مع هذا المكان نغنيها ونحن نلف وندق الأرض بأقدامنا مقلدين حركة القطار الذي سيدخل المحطة بعد قليل. 

القطار يقف في محطات كثيرة. ينزل الركاب ويصعدون عند كل محطة. كل محافظة يقف عندها القطار يذكر لنا أبي أسم هذه المحافظة مرتبطاً بما تشتهر به مثل بنها العسل حيث يعد عسل النحل البنهاوى من أجود الأنواع. وكان يبهرني إمتداد الحقول على مرمى البصر  يكسوها اللون الأخضر الذي نشاهده من نافذة القطار على طول الطريق.   




إنتقل معظم أفراد عائلة والدي من قريتهم الصغيرة والتي تسمى "منية المرشد" وهي قرية في مركز مطوبس (فوة سابقاً) محافظة كفر الشيخ وكان اسمها " بنى مرشد " نسبة إلى الشيخ العارف بالله محمد بن عبد الله المرشدى ثم تغير بعد ذلك إلى ميناء المرشد ثم إلى منية المرشد. إنتقل معظم أفراد عائلة "أبو شوشه" إلى الإسكندرية بغرض التعليم والعمل. وكان عمي "محمود" و زوجته "أبله محاسن" من بين الذين انتقلوا وعاشوا في الإسكندرية. 


نتجه مباشرة من محطة مصر في الإسكندرية إالى منزل عمي محمود في شارع بوالينو في حي محرم بك حيث ننزل ضيوفاً عنده لفترة الصيف.

لم نكن وحدنا الذين ننزل ضيوفاً على بيت عمي بل كل من يفد من العائلة إلى الإسكندرية من القرية كان يجد في بيت عمي ترحاباً وملاذاً. لم تشتكي أبدا زوجة عمي من كثرة الزوار والمقيمين في بيتها. أحبت الجميع فزرع الله محبتها في قلوبنا جميعاً.

لا زلت أذكر محل عم فاروق البقال في الجهة المقابلة لبيت عمي حيث كنت أشتري من عنده الحلاوة الطحينية. 

أذكر جيران بيت عمي, "هويدا" التي تسكن مع أمها في الدور الأول. بائع العرقسوس الذي كان يسكن غرفة صغيرة أول السلم. عدة فتيات في مقتبل العمر يسكن الدور العلوي أذكر أن إحداهن كانت تسمى "أشجان" كن صديقات لأخواتي.

نستقل الأوتوبيس كل يوم في الصباح إلى شاطئ الشاطبي نمر على عم عثمان النوبي بواب العمارة الكبيرة المقابلة للشاطئ. نحتفظ عنده بالشمسية والكراسي والطائرة الورقية طوال فترة الصيف. في آخر كل يوم نودعهم عنده مرة أخرى.




من أهم معالم هذا الشاطئ "كازينو الشاطبي" و"الكازينو الخشب" وبين الإثنين كنا نقضي فترة الصيف حيث المصور "بشير" الذي إحتكر تصويرنا على مدى سنين طويلة. وبائع الآيس كريم أمام الكازينو الخشب.

الطائرة الورقية التي نصنعها أنا وأخي الأكبر من البوص والورق الملون تكون أكبر طائرة على الشاطئ كله.

أحرص على البرطمان المغطى فوهته بالقماش إلا من فتحة صغيرة أضع من خلالها بعض الخبز وأربطه بحبل ثم أرخيه في الماء لأصطاد السمك الذي يحاول الوصول إلى الخبز في الداخل.

تظل أختي الكبيرة تتجول على الشاطئ طوال اليوم لتجمع مايلقي البحر من أصداف.

ينقضي يومنا بالإستحمام في البحر واللعب على الرمال نبني بيوتاً ونحفر حفراً نملأها بالماء. 

أمي تراقبنا بحرص وقلق في كل تحركاتنا وهي جالسة تحت الشمسية. إذا نزلنا البحر وحدنا من دون أبي تظل واقفة على الشاطئ حتى نخرج من الماء.



لا نترك الشاطئ إلا عند الغروب وتكون رحلة عودتنا لمنزل عمي دائما سيراً على الأقدام. نمر على مقابر المسيحيين بما يكتنفها من سكينة وغموض وهي أشبه بحديقة كبيرة جميلة خلف الأسوار. أنجح دائماً في الإمساك بإحدى الضفادع الصغيرة المنتشرة في حديقتها. ونشتري في طريقنا الذرة المشوية والبطاطا والبسبوسة الساخنة ونرفع أصواتنا ونحن نمر من الكوبري "أبو عين واحده" والكوبري "أبو عنتين" لنستمتع برجع صدى صوتنا.

"باكوس" هو إله الخمر عند الرومان القدماء. عندما نذهب لزيارة عمي "سعد" الذي يسكن في منطقة "باكوس" والتي ينطقها أهل الإسكندرية بلهجتهم الجميلة "بكوس" كنا نذهب إلى شاطئ "جليم" القريب من بيت عمي. لم أكن أحب هذا الشاطئ كثيراً. بالنسبة لي الإسكندرية هي الشاطبي.

في يوم الجمعة لا نذهب إلى الشاطئ تجنباً للزحام. نحرص على قضاء يوم في حديقة "أنطونيادس" بخضرتها وزهورها الجميلة وتماثيلها الرومانية التي تملأ ممراتها . وكنا نزور أقاربنا الذين يقيمون في الإسكندرية الذين لا نراهم طوال العام.

في الصيف كان أبي يحرص على أن يسافر إلى منية المرشد مسقط رأسه لقربها من الإسكندرية لزيارة والدته جدتي ذات العينين الزرقاوتين وأخيه الذي كان يزرع أرض العائلة وأخته الوحيدة عمتي الحبيبة وباقي أفراد العائلة الذين يسكنون القرية ولم يغادروها وكنا نذهب أحيانا مع أبي ونقوم بصيد السمك مع زوج عمتي.

أوصى أبي أن يدفن في بلدته وكانت وجهة نظره في هذا الخصوص أن أهل القرية وهم يغادرون في الصباح الباكر إلى حقولهم يمرون بمقابر القرية وكذلك يفعلون عند رجوعهم عند غروب الشمس فيقرأون الفاتحة ويترحمون على موتاهم عند مرورهم أما في القاهرة فلا أحد يذهب لزيارة الموتى.

في هذا العام كان الكازينو الخشب على جهة اليمين من الشاطئ يذيع أحدث أغاني أم كلثوم "إنت عمري" على مدار ساعات النهار كله.






رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا

علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه عمر
ضايع يحسبوه إزاي عليّ
انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه


كان هذا العام آخر عام لنا على شاطئ الشاطبي حيث منعنا مرض أبي ووفاته من السفر إلى الإسكندرية بعد ذلك سنيناً طويلة ولم يبق لنا من هذه الأيام الجميلة سوى الذكريات السعيدة.







كتب المقال وحرره: عاطف أبو شوشه







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق