الخميس، 7 فبراير 2019

الحضرة (العباسية حبيبتي 6)


"مــدد يا ســيــدي الدمـرداش الـمــحمــدي مــدد"




حامل الفانوس الخشبي الكبير ذو الزجاج الملون العتيق يحمله بكلتا يديه. وهو في هيئته الجادة  الوقورة ونظراته الحادة الودودة واقفاً ينتظرعند أحد أبواب المسجد وصول الخليفة وتابعيه. عند وصولهم تقدمهم حامل المصباح بحركات مدروسة وخطوات ثابتة في مسار معروف وهم يتبعونه في صف واحد إلى قاعة المقام تحت القبة الرئيسية. عند الباب المؤدي إلى داخل القاعة يتنحى حامل الفانوس جانباً ويتقدم الخليفة وتابعيه إلى الداخل فيقف كل من في القاعة إحتراماً لدخول الخليفة الذي يتوجه إلى كرسيه ذو الظهر العالي والذي بذل الخدام وقتاً ليس بالقصير ليضعوه في مكانه الصحيح فوق السجادة العتيقة وعلى يسار حامل الشمعة الضخمة. يجلس الخليفه فيجلس الناس وعلى رؤوسهم الطواقي البيضاء وكالعادة في كل يوم خميس بعد صلاة العشاء تبدأ مراسم الحضرة.


"مــدد يا ســيــدي الدمـرداش الـمــحمــدي مــدد"

والمدد لا يطلب إلا من الأبــدال  فهذه هي وظيفتهم التي وكلهم الله عز وجل بها. والأبــدال هم من أولياء الله الصالحين وعددهم أربعون في كل عصر ووقت لا ينقصون أبداً إذ أنهم لو نقصوا لهلك الحرث والنسل ومنع الغيث وعم القحط وإذا مات منهم واحدٌ أبدل الله به غيره ليتم عددهم كما قدر لهم  الله أن يكونوا. عن طريقهم يرسل الله المدد إلى جميع الموجودات من خلقه من الناس والدواب والنبات والجماد. وهم موجودون على مر السنين والأيام ولكن إذا فسد الزمان يختفون بين الخلق ولا يظهرون أنفسهم للناس ولا يكون ظهورأحدهم إلا بإذن من الله تعالى.


مرت بخاطري هذه الخواطر وأنا أجوب أنحاء معرض   القاهرة الدولي  للكتاب هذا العام في مقره الجديد البعيد الأنيق فهو مناسبة لا أخطئها أبداً في كل عام وأنتظر قدومها كانتظاري قدوم أيام الأعياد. ففي إحدى القاعات وعلى أحد الرفوف المهملة التي لا يقف عندها أحد من الزائرين أخذني إسم كاتبة لم أتوقع أن أرى لها كتاباً في يوم من الأيام ليس فقط لأنها من عهد سابق ولكن لعلمي أنها واحدة من الكاتبات المصريات اللاتي أبدعن أدبهن باللغة الفرنسية وقد توفيت رحمها الله عام 1968م فى ايطاليا.  
 هذه هي الأديبة الشهيرة قوت القلوب الدمرداشية إبنة الشيخ عبدالرحيم مصطفى صالح المعروف بالدمرداش باشا وكان خليفة الطريقة الدمرداشية الخلوتيه وقد دامت مشيخته للطريقة أربعاً وخمسين سنة وتوفي رحمه الله عام 1348هـ/1929م ودفن فى قبر أعده لنفسه فى مستشفاه الخيري الذي أنشأه والمعروف بمستشفى الدمرداش.
أخذني إسم الكاتبة على كتاب لها تحت إسم "زنوبة" ألفته باللغة العربية فاختطفته على الفور من مكانه وأنا أتلفت حولي هل يراني من أحد. لم يسعفني الوقت بعد لكي أقرأه. وأنا سعيد جداً بحصولي على هذا الكتاب الذي سوف أفتخر دائما بوجوده في مكتبتي بغض النظر عن موضوعه ومحتواه أو قيمته الأدبية ولكن فقط للتاريخ الذي يدورحوله إذ أنه سوف يظل يذكرني بسيدي الدمرداش المحمدي ومقامه تحت القبة المملوكية الكبيرة بمسجد الدمرداش ويذكرني أيضاً بالخليفة وبحامل الفانوس وبطقوس الحضرة الصارمة وبمنطقة حي العباسية المحببة إلى قلبي.


كان الجنيد البغدادي جالساً في جامع الشونيزيه فدخل رجل وصلى ركعتين ثم أشار إلى الجنيد فجاءه فقال له الرجل: يا أبا القاسم إنه قد حان لقاء الله تعالى ولقاء الأحباب فإذا فرغت من أمري فسيدخل عليك شابٌ مغنٍ فادفع إليه مرقعتي وعصاي وركوتي فقال الجنيد: إلى مغنٍ وكيف يكون ذلك؟ قال: إنه قد بلغ رتبة القيام بخدمة الله تعالى في مقامي. فلما قضى الرجل نحبه وفرغ الجنيد من مواراته إذا بشاب قد دخل عليه وسلم وقال: أين الوديعة يا أبا القاسم؟ فسأله الجنيد وكيف ذلك؟ قال الشاب:كنت في بعض شأني فهتف بي هاتف أن قم إلى الجنيد وتسلم ما عنده وهو كذا وكذا فإنك قد جُعلت مكان فلان من الأبدال. فسلمه الجنيد ذلك فنزع ثيابه واغتسل ولبس المرقعة وخرج وجهة الشام. 


كتب هذا المقال/ عاطف شوشه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق