السبت، 16 فبراير 2019

الموت حياً أو الحياة ميتاً

شعرت بالراحة والطمأنينة لأول مرة في  حياتي منذ أن آويت إلى داخل هذا الكتاب.



أصبح هوالآن ملاذي الآمن من ضجيج الماكينات التي كانت دائماً ما تزمجر من  حولي. 

أتذكر كالحلم أنني كنت هناك حيث  الهواء النقي بلا ثمن. حيث اللون الأخضر يملأ الفراغ الممتد أمام عيني. حيث اللون الأزرق دائماً فوقي . كنت أخرج أحياناً لأستمتع بضوء الشمس مخاطراً بحياتي إذ  كنت دائماً فريسة منتظرة لهؤلاء العماليق ذووالأجنحة المبسوطة. كنت وقتها  إذا ظهرت إحداها في الأفق أختبئ هارباً إلى الظلام  أراقب ما  يجري في الخارج من ثقب ضيق. مرة فقد صديق لي في هذا الجحر حياته وهو يحاول  الخروج  إلى الشمس وأنا أنظرإليه ولم أستطع إنقاذه. جبنت وضننت بحياتي لما خفت. لا زلت أتذكر نظراته المتوسلة إلي وهو يغيب  في الفضاء العلوي. لم يصرخ أبداً مع  أنه كان يتألم بشدة. أتذكر الآن أنه مثلي لم يكن له حنجرة يصرخ منها.

الضجيج يملأ المكان فجأة  والغبار وعماليق  بلا أجنحة  ولكن أكثر قسوة  وضراوة  نقبت كل  الأماكن وفتشت  حتى تحت الأوراق الذابلة وحملت  كل شئ ورحلت. وحملت أنا رغماً عني وكهفي مع الأنقاض المرتحلة ومع  كل الأشياء  الأخرى . حلقي جاف وجوفي  مليئ  بالغبار الكثيف . إلتفت خلفي أستجدي النظرة الأخيرة لأستبقي المشهد الراحل في ذاكرتي وبكيت.

لا أذكر كم مر علي من الليالي والأيام وأنا في  هذا الكهف المظلم  أموت  جوعاً وبرداً وحرارة  وقيظاً. بعض الخنافس السوداء وجدت طريقها إلى مكمني تستجدي بعض الدفء وبعض الألفة. ظللنا  أصدقاء  لفترة من الزمن فكان هذا أفضل لكل منا من  وعورة الوحدة وقسوتها. تقاسمنا القوت القليل المتبقي ولم يتعد أحد  منا على  الآخر. وجاء وقت رحيل  الخنافس  كما تفعل كعادتها  كل عام فذهبت وتركتني وحيداً أرقب رحيلها الحزين.

ضجيج شديد  يملأ  الجو مرة أخرى. صرت أخاف من الضجيج لأنني لا أعلم ماذا سيأتي بعده. لم يأت الضجيج هذه المرة إلا بضجيج آخر. أختبئ في داخلي أسد أذني ألجأ مرة أخرى إلى الظلام أستجديه لعله ينقذني هذه المرة من الضجيج. أحفر أكثر وأكثر وأغوص في الداخل أعمق وأعمق.أهيل على نفسي  بقايا الحفر والنفايات ليزداد  الظلام حلكة ووحشية.
ينشق المأوى فجأة إلى نصفين أحمد الله أنني كنت في الشق الآخر مشغول باستدعاء مزيد من الظلام من حولي. في الليل وعندما خفت الضجيج وساد السكون هربت خوفاً من إنشقاق آخر قد لا أكون مستعداً له. 

وجدت ملاذاً آخر تفوح رائحته الجديدة بشئ محبب  إلي إفتقدته منذ زمن الإخضرار والزرقة. آنستني هذه الرائحة وخلدت إلى النوم العميق بعد سنين من التنقل والسهر والأرق والقلق والقهر والضجيج. أحسب أن هذه هي نهاية الرحلة. رحت في سُباتٍ عميق. حلمت بصديقي وهو يحلق في الأفق بنظراته المتوسلة. أحن إلى صديق يؤنس وحدتي. ولكن الكائنات هنا من نوع آخر. قد لا تكون من العماليق في حجمها ولكنها أكثر شراهة وبلا رحمة وبلا قلب أيضاَ. ترى إلى أي مدى يمكنني أن أستمر في  العيش بين هذه المخلوقات المريبة وفي عمق هذا الضجيج الذي لا يتوقف عن أن يقتات على ماتبقى من عقلي. 

كم من الوقت سأنجح في الإختباء والإختفاء حتى ينكشف أمري وأتعرى من مأواي ومن كل ما يواريني وأصبح فريسة منتظرة لهولاء الشرهين عديمي القلوب. 

إستيقظت على أصوات غريبة بعدها حُملت وأنا داخل مخبأي المظلم إلى مكان ذو رائحة مختلفة. أتعجب كيف أنني دائماً لا أملك من أمري شيئاً. لماذا خلقت أنا هكذا يحملني الآخرون إلى حيث يريدون بدون إذن مسبق مني. يهدمون مأواي مرات عديدة وفي كل الأحوال يهددون وجودي وأمني  وحقي في الحياة والإستمرار على النهج الذي أرتضيه لنفسي. الجواب على كل هذه الأسئلة سهل وبسيط ولا يحتاج إلى فلسفة كثيرة. لأنني الحلقة الأضعف في سلسلة المخلوقات العملاقة وغير العملاقة أيضاَ. والآن أنت تشيخ وتصبح أكثر ضعفاً وأكثرعرضة للإلتهام المحموم  الذي  تراه يدور من حولك. 

وصلت إلى مكان ما أهدأ قليلاً ولكن المخلوقات حولي من النمل الأبيض والأسود تحيط بي من كل  جانب وتتأملني. أشعر بأنها تنتظر مني أن أغفو كي تلتهمني . على  الأقل ليس  لديها الجرأة على أن تلتهمني وأنا منتبه مفتوح العينين. عملاق  صغير بجناحين معلق في الأعلى يراقبني هو أيضاً كفريسة محتملة جداً. أنتظر قدوم الليل بأعين  مسهدة تحترق من الخوف. يمل النمل بلونيه من الإنتظار وينام من تعب اللاجدوى. العملاق  الصغير يغلق عينيه هو الآخر  وينام  ورأسه يتدلى نحوي.   فرصتي  سنحت للهروب  مرة أخرى. 



منذ أُخرجت  عنوة من مأواي الأصلي وأنا أقوم بالهروب. أصبحت أتقن صنعة الهروب من الخطر وفي الوقت  المناسب ولكنه الهروب إلى الداخل المظلم الشديد الحلكة والوحدة. ماذا يهمني غير أنني مازلت حياً ولو حتى في الظلام أوالوحدة. أعتقد كثيراً أنني من هذا النوع الذي خلقه الله لا يخاف ظلاماً أو وحدة. 

تذكرت هذا التاريخ الطويل من الحياة والهروب وأنا في ملاذي الآمن داخل هذا الكتاب على هذا الرف البعيد بجوار إحدى النوافذ التي مافتئت تذكرني بدورة الليل والنهار فأتذكر أنني مازلت حياً وقليل من القوت حولي يكفيني حتى  يحين موعد فنائي القريب. فأنا أعتقد أيضاً أنني من هذا النوع الذي لا يعيش طويلاً.

لم أعدم الحظ الجيد هذه المرة وهذا ما لم يحدث لي من قبل ذلك. إذ لا تلتفت المخلوقات الجديدة  من حولي  كثيراً إلى هذا الكتاب القديم المغلق على ما بداخله منذ عقوداً بعيدة والذي آوي إليه الآن مطمئناَ. أراهم في بعض الأحيان  وهم يمرون أمامي ولكنهم لا يلتفتون وكأنهم  فقدوا أعينهم التي ترى.  ولذلك أصبحت أكثر جرأة  من ذي قبل إذ أخرج  في  بعض الأيام من ملجأي بل و حتى أنني قد أترك  الكتاب مفتوحاً وأستلقي  في الشمس التي تمر عبر زجاج النافذة المغلقة أو لكي أسير إلى آخر الرف عند الحافة الخطرة. أحاذر ألا أسقط. أستنشق بعض الهواء الجيد.  ويسعدني  كثيراً أنهم يمرون من  أمامي ولا يلاحظون وجودي وسفوري.

أعود من  جديد إلى مكمني. أتمطى قبل أن أدخل وأغلق  الكتاب ورائي.



عاطف شوشه





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق