الباقيات الصالحات هي أعمال البر والخير والقربات التي يعملها العبد في الدنيا وتبقى لصاحبها ويثاب عليها في الآخرة وهي التي تبقى لأهلها في الجنات. وصفها الله سبحانه بأنها باقيات لبقاء أجرها، وصالحات لجزيل ثوابها.
قال الله عز وجل: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً).
وقال تعالى: (والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ مرداً). أي: خير ما يعود على عاملها بالثواب، وأفضل ما يبقى أجره ليوم الحساب.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي : ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلُّها غير كتفها، رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
والرابط بين الآيات والحديث هو مفهوم "البقاء والفناء" ففي هذا الحديث يعلمنا رسولنا معنى البقاء أي ماذا يبقى للعبد وماذا لا يبقى له. ما يبقى للعبد هو فقط ما تصلح به آخرته لا دنياه إذ الدنيا فانية بطبعها فما يكون لها أو يبقى فيها فهو فانٍ معها بالتبعية. ولهذا يجب على العبد أن يضع هذا المفهوم لمعنى البقاء أمام عينيه دائماً و يعمل ويجد ويجتهد ويشغل تفكيره بما هو باقٍ أكثر مما هو فانٍ.
ورَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.
فنحن سوف نسأل في الآخرة عن أربعة أشياء هي العمر والجسد والعلم والمال
فهولاء الأربع الذين يشكلون مجتمعين كل أعمال الإنسان المحتملة في الدنيا هم من نعم الله وعطاياه أنعم الله وتفضل بهم علينا لنطيعه بهم فندخل الجنة ولا نعصيه بهم فندخل النار فكيف نجعلهم عند السؤال من الباقيات الصالحات التي هي خيرٌ ثواباً وأملاً ومرداً عند الله تعالى إنطلاقاً من تفهمنا ووعينا لمبدأ "البقاء والفناء" الذي علمنا إياه رسولنا الحبيب في الحديث السابق ؟
ولنبدأ بالعمر, كيف نصلح من أعمارنا ما قد يبقى لنا في الآخرة ويكون فيه خيرٌ لنا ؟
نحن مثلاً عندما ندخل في الصلا ة نجد أننا نسرع في حركاتها قياماً وقعوداً وجلوساً ونحن غالباً ما نقرأ من قصار السور ولا نطيل في الصلاة بتسبيح أو دعاء. فليفكر كل منا لماذا لا تشغل صلاته إلا هذا الوقت اليسير إذا قيس بسنين العمر وليسأل كل منا نفسه في كل مرة يؤدي فيها الصلاة ما الذي أنوي فعله عندما أنصرف من صلاتي ويجعلني هكذا متعجلاً في إنهاءها والخلاص منها؟ هل أنا منصرفٌ إلى طاعةٍ أوعبادةٍ أخرى سوف يبقى لي أجرها مع الباقيات الصالحات أم أنا منصرف منها إلى لهو ولغو سوف يحسب علي ما ضيعت فيه من وقت ولن يحسب لي. فإذا كان ذلك كذلك فأنه ليس من الحكمة كما وأنه ليس لنا أي عذر في إختزال وقت الصلاة بهذه الطريقة بل يكون ذلك من باب التفريط في الوقت فيما لا نفع فيه ولا فائدة منه والوقت هو العمر الذي سوف نسأل عنه كما في الحديث السابق. فما يبقى لنا من عمرنا ونحسبه من الباقيات الصالحات هو ما نقضيه في طاعةٍ خالصاً لوجه الله تعالى وبالطبع ليس هو كتف الشاه.
وكذلك الجسد فما أبلينا منه في طاعة الله فقد بقي وهومن الباقيات الصالحات وما أبلينا منه في معصية فقد فني وذهب.
والعلم تَعلمٌ وتعليم. أما التعلم فهو ما حصلنا منه باسم الله فقط وليس باسم أحد ولا شئ سواه تنفيذاً لأمره "إقرأ باسم ربك الذي خلق" سواءاً في ذلك أكان علماً دينياً أو دنيوياً فهو حينئذٍ من الباقيات الصالحات وتعليم ما حصلنا وما تفضل به الله علينا من علمٍ تعليماً خالصاً لوجه الكريم دون رياء أورغبة في الشهرة أوفي الكسب فهو أيضاً من الباقيات الصالحات.
والمال كسبٌ وإنفاق. فكما إن كسب المال من حرام فيه بالضرورة ظلم وغبن وأكل لحقوق الآخرين فإن كسبه من حلال فيه رفع للظلم عن العباد وحفاظٌ على حقوقهم فيكون الكسب من الباقيات الصالحات. وكذلك الإنفاق إذا كان إنفاقاً فيما أحله الله وفي مرضاته فهو من الباقيات الصالحات.
كان "سري السقطي" وهو من العارفين يجلس في جماعة من أصحابه فسأل "الجنيد" وهو في السابعة من عمره:
ما الشكر يا فتى؟
فقال الجنيد:
الشكر هو ألا تعصي الله بنعمه.
كتب هذا المقال/ عاطف شوشه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق