دخلت المسجد في يوم الجمعة الماضي والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر فظللت واقفاً منتظراً إنتهاء الآذان كما هي العادة حتى أصلي ركعتي السنة.
وما أن إنتهى الآذان وبينما أنا أدعو بدعاء نهايته إذ بهذا الرجل الضخم بعباءته السوداء القاتمة والذي لاحظت أنه كان يثبت نظره علي منذ دخلت المسجد يقوم من مكانه ويتجه نحوي مع سبق الإصرار وعينيه الضيقتين لا تخلوان من شر حتى هُيأ لي أنه سوف يقوم بأمرسئ كأن يضربني مثلاً وأنا لا أفهم ما هو سبب هذا السلوك العدائي نحوي وأنا منذ انتظمت للصلاة في هذا المسجد الصغير بجوار المنزل منذ حوالي السنة أو ما يزيد بقليل لم أزد عن ترديد السلام بصوت خفيض على من حولي عند دخولي وخروجي من المسجد.
وصل الرجل في مواجهتي وبدأ يلومني على أمر ما فعلته عند دخولي المسجد مما جعلني أحس بالحرج الشديد بين العدد القليل من المصلين الموجودين حولي وإن كان أي منهم لم يلتفت لينظر ماذا يحدث ولكنه من المؤكد أنهم جميعاً قد سمعوا ما قاله الرجل الضخم الذي كانت نبرة صوته تنم عن الإستياء وكأنه كان قد اختزن ضيقه وكظم غيظه مني منذ مدة ليست بالقصيرة حتى سنحت له الفرصة أخيراً لكي ينفث ما بداخله في هذه اللحظة بالذات.
تأسفت للرجل بسرعة عما بدر مني ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ألاحظ فيها أنه يراقبني بضيق خفي لم أعرف سببه حتى الآن. صليت ركعتي السنة أنا ومن حولي وشغلني عن الصلاة ما حدث لي منذ لحظات قليلة وأخذت قراري وأن أصلي. فما أن انتهيت من الصلاة حتى كنت قد عزمت أمري فقمت مولياً ظهري للجميع وفتحت باب المسجد وخرجت متوجهاً إلى مسجد آخر يبعد بعض الشئ عن المنزل ولم أنظر خلفي عازماً على ألا أعود للصلاة مرة أخرى في هذا المسجد الصغير.
تذكرت وأنا في طريقي إلى المسجد الآخر قصة قرأتها منذ فترة لرجل لم يقرب أو يدخل أي مسجدٍ طيلة خمسون عاماً وكان ذلك بسبب أحد الشيوخ الذي نهره مرة بشدة وهو طفل صغير داخل أحد المساجد لأمر ما أخطأ فيه فخرج ولم يعد لهذا المسجد أو إلى أي مسجد آخر مدة خمسون عاماً. وأخذت أفكرعلى عاتق من يقع ذنب هذا الطفل الصغير الذي صار كهلاً وهو لا يستطيع أن يدخل مسجداً بسبب عقدة نفسية سببها له هذا الشيخ ولعله كان من القائمين على ذلك المسجد مثل هذا الذي سبب لي هذا الحرج الشديد بين المصلين مما جعلني أغادر المسجد لا هاجراً لكل المساجد كما فعل هذا الطفل الصغير ولكن لمسجد آخر. وتذكرت على الفور أن من أسماء الله "العدل" فكففت عن التفكير.
وهذا الأمر قد لاحظته كثيراً من قبل. فهولاء الذين يقومون أو القيمون على هذه المساجد الصغيرة يعتبرون أنفسهم من طبقة أعلى من طبقة المصلين العاديين ويسمحون لأنفسهم بمراقبة المصلين الآخرين كما يسمحون لأنفسهم بأشياء أخرى كأن يرفعوا صوتهم داخل المسجد وأن يناقشوا أموراً فيما بينهم بينما آخرون يصلون أو يقرأون القرآن أو يدعون الله فيشغلونهم عما هم فيه من العبادة. وإذا لفت أحد نظرهم لهذا الأمر يقومون بالتفكه والتندر عليه بعد خروجه من المسجد كأن يقول أحدهم للآخر بتهكم : "الأستاذ بيقول إن إحنا بنشوش بصوتنا العالي على الناس اللي بتصلي" ويبتسم هذا الآخرابتسامة معناها الوحيد هو السخرية و اللامبالاة. وقد سمعت هذا التعليق بنفسي في هذا المسجد.
ألم يعلم هولاء بالقول الحكيم الذي يقول: "إذا نصحتني في السر فقد نصحتني وإذا نصحتني على الملأ فقد فضحتني".
ألم يعلم هؤلاء بأن المساجد لله وإن كانوا هم الذين بنوها أوهم الذين يقومون عليها.
ألم تكن قريشاً هم سدنة بيت الله الحرام وهم القائمون بكل أموره وكانوا يفتخرون على العرب بذلك ويحتكرون هذا الأمر ويتشددون فيه حتى أنهم فرضوا ألا يطوف بالبيت إلا من كان يلبس ثياباً قرشية. فما كان من زوار البيت الحرام وحجاجه إلا أنهم أجبروا على أن يشتروا تلك الملابس عند قدومهم إلى مكة. ومن لم يكن يملك المال اللازم للشراء لم يكن أمامه إلا أن يطوف بالبيت عرياناً. حتى أن إحداهن نظمت في حالها شعراً وهي في ذلك الموقف فقالت عن إضطرارها الطواف عارية حول الكعبة :
اليـوم يبدو بعضه أو كله
ومـا بـدا مـنـه فـلا أحـلـه
جهم من الجهم عظيم ظله
كـم مـن لبيب عقـله يضله
ونـاظـر يـنـظر مـا يـمـلـه
أفكرفي أنني يجب أن أتخذ إجراءاً ما تجاه هذا الرجل الضخم ذو العباءة السوداء إذا لم يكن بسبب ما فعله معي فليكن بغرض ردعه عن تكرار الذي حدث مع شخص آخر أو طفل آخر ولكنني تذكرت قول الله تعالى: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا . . ". ولي مع الله عز وجل سابق عهد طويل بالدفاع عني بغير عناء مني. فدعوت الله: "اللهم إني أتبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك. اللهم إن كنت من الذين آمنوا حقاً فإني وكلتك في الدفاع عني"
وصلت إلى المسجد الآخروجال بخاطري وأنا أهم بالدخول خاطرجميل: "إن هذا كله بتدبير وبأمرمن الله سبحانه وتعالى ليجعلك تمشي خطوات أكثر في هذا الطقس البارد إلى مسجد أبعد فتنال ثواباً أكبر".
"وكذلك يريد الله أن يمن عليك . ."
حمدت الله كثيراً ودخلت المسجد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق