الأحد، 17 فبراير 2019

إكرام الميت


دخلت "هي"  في كامل زينتها. وعطرها وأنوثتها يسبقانها. تلفتت حولها حددت وجهتها. وبسرعة سارت مباشرة وبدون أدنى تردد إلى الهدف. ذلك القابع في الزاوية البعيدة. الساهي في  غير إنتباه والذي لم يلحظها وهي تتجه نحوه في إصرار كما -ولحظه التعس - لم يلحظ  منذ ثوانٍ قليلة  دخولها السينمائي الرائع والمبهر. 



وعندما أصبحت في مواجهته مباشرة أخرجت من صدرها الجميل ساطوراً ورفعته بيدها اليسرى إلى أعلى - إذ كانت عسراء - وهوت به على رأس الرجل الضئيل أبيض الشعر  فشجتها وشطرتها نصفين. تناثرت بعض الشظايا من جمجمته تحت المقاعد  الوثيرة.

عادت تجلس في المكان المخصص لها بين الحاضرين مبتسمة تلك الإبتسامة التي تنم عن إرتياح صاحبها لأنه أخيراً قد أدى المهمة التي كان ينتظر الجميع منه تأديتها فجلست مفتخرة بفعلتها وهي ترقب في سعادة ورضاَ هذا البركان الهائل من آلاف الأوراق الذي أخذ يفور من الرأس المشطور ويملأ المكان ويغطي كل شئ. 

وبعد أن ساد الصمت لفترة وجيزة. صاح أحد الحاضرين: "إكرام الميت . . .".

 قام حفار قبور عتيق في مهنته واتجه إلى الرجل وهو مازال ينزف بين الحياة والموت. أخذ مقاسات الجثة المستهدفة بدقة أبهرت المشاهدين الذين صفقوا له وذلك تمهيداً لحفر القبر.

قام رجل آخر برسم القياسات على الأرض بالطباشير الأبيض في وسط الغرفة. المقاسات تبدو أنها لا تلائم الحجم المرأي للجثة بأية حال.

أتوا بالكتبة من كل نواحي الأرض. من كل مكان وجنس ولغة ولون وعقيدة ودين. أتوا بالأحياء منهم والأموات وفي أرجلهم السلاسل الحديدية الثقيلة يحملون أقلامهم المدببة الأطراف وأخذوا يحفرون بها الحفرة المقبرة. 
قام أحد الحاضرين متطوعاً يجلدهم بسوطه عندما تململ الحاضرون من تباطؤهم وكسلهم في أداء المهمة التي وكلت إليهم.



ولقتل "الوقت" أيضاً - بعد قتل الرجل - قام أحدهم يلقي مرثية المحتضر ومادام سيدفن الآن هنا تحت أرجلنا بعد قليل فلا مانع من دمج خطبة الدفن مع المرثية. إنتبه المجودون . 
وما أن وقف الخطيب بجوار كرسيه حتى نبت في رأسه زوج من الآذان الطويلة المشرعة فقدموا له على الفور حزمة من البرسيم على سبيل فتح الشهية. 
نهق الرجل كثيراً. لقي نهيقه إستحسان الحاضرين جميعاً وبدا ذلك واضحاً في قسمات وجوههم. عند التصفيق إنحنى الرجل - تسبقه أذناه - ليحيي جمهور المسرح في الصاله ولم ينس إيماءة خاصة لصاحبة العرض والتي تجلس في البنوار. شجعه أحدهم على الإستمرار مذكراً إياه بصوتٍ عالٍ : "إن أنكر الأصوات . . . ". هز الراثي الخطيب رأسه متاثراً بهذا الثناء الحار وهو يجتر بعض أعواد البرسيم التي تناولها مجاملة لمن قدمها له إذ كان جوفه مازال مملوءاً بالتبن مذ ألقى مرثيته السابقة منذ وقت غير بعيد. إستمر في نهيقه بنبرة أعلى من ذي قبل ليكافأ الحضور على استحسانهم لنهيقه فنهقت لهديره كل حمير الأحياء المجاورة وتحركت أذناه الطويلتان طرباً لكلماته. 

أنهى جيش الكتبة العبيد أخيراًعملية الحفرالمنهكة فقام الرجال من فوق كراسيهم المريحة ليؤدوا في عناء ظاهر دورهم المشرف في إكرام الميت. حاولوا إدخاله في الحفرة مع كل الأوراق التي ملأت الغرفة والتي مازالت تفور من الشج في رأسه. لم تتسع الحفرة فأخذوا يطئون الأوراق ويدفعونها بنعالهم ليجبروها على أن تدخل مع القتيل في قبره. 

إلتصقت الكلمات بأحذيتهم فأحسوا بالقرف الشديد يغمرهم وأخذوا يحكون أسفل نعالهم في ظهور المقاعد ليتخلصوا من تلك الكلمات السخيفة اللزجة. بدأت الكلمات الزحف لأعلى لتغطي أجزاءاً من أجسادهم.



تصبب هذا السمين عرقاً وهو يحاول محو  الكلمات العالقة بيده فمدها ليمسح عرقه فالتصقت الكلمات بجبينه وبرأسه الصلعاء. أحضر سائلاً كيمائياً حارقاً مزيلاً للبقع والخطايا حك به جبهته ورأسه فاحترقتا. صار ألم الحريق لا يحتمل  ولا تزال الكلمات الملتصقة في مكانها تغطيه وتمنعه من التنفس. لما أعياه الجهد وهو يصارع الكلمات العنيدة تناول سكيناً وجز به رأسه فتدحرجت على أرض الحجرة وسقطت في الحفرة القبر.


حاول آخر أن ينفض الكلمات من فوق بذلته الأنيقة ولكنها كانت قد إلتصقت بها وغارت بقماشها حتى وصلت إلى جلده. جاء بمقص وأخذ يقص بعصبية الكلمات والقماش وجلده السميك تاركاً حفراً عميقة في جسده أخذت تنزف سائلاً أصفر كريه الرائحة. أخذ السائل يتحرك  كالثعبان في مسارب آخرها فوق الأوراق المقبورة فوق الرجل المقبورفي الحفرة القبر.

تحرك الرجل القتيل ببطء في  قبره  ثم بدأ ينهض نافضاً من فوق صدره الرأس الصلعاء المجزوزة وأكوام الأوراق والكلمات التي إختلطت  بالسائل الأصفر الكريه. 

أخذ يزحف أسفل المقاعد باحثاً تحت النعال عن شظايا جمجمته المشطورة.




عاطف شوشه



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق